أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

138

التوحيد

أعوان من الأماني والشهوات وشياطين مزيّنة لها ، فكيف ينكر جعل أعوان للعقول ، أحقهم بذلك الرسل . وبعد ، فإن جميع نوازع الهوى مشاهدة حسية ، وجميع أسباب عمل الحق غائبة ؛ إذ المذكر هو ذكر الثواب والعقاب والأمر بترك الشهوات والملاذ ، وذلك أمر عسير على الطبع والهوى ، فيحتاج في ذلك إلى الاستعانة برؤية من تذكّر رؤيتهم المعاد ويخبرون عن المنقلب بما فيه من اليسر والعسر ؛ ليصير ذلك بحق العيان ، فيسهل على الطبع سهولة ما يوافق الطبع ، واللّه الموفق . ونوع آخر من الأصل في ذلك وجود الرسل بما معهم من الأدلة والبرهان مما يعلم جميع منكري الرسل أن ليس مع أحد منهم دليل يحقق تكذيبه أو يزيل عن نفسه صفة المتعنتين ، مع كثرة حيلهم في مقابلات أدلتهم ، وطعنها مرة بالسحر وبوجوه أخرى ، ثم مع بذلهم مجهودهم من دنياهم في إطفاء نورهم ، فلم يروا غير الظهور والغلبة ، حتى أحوج اللّه جميع الأنام إلى الذين يؤمنون بالرسل على تعرّفهم بما علموا في الجملة أن لهم في أمورهم غنى رجاء أن يصلح أمرهم فيتفق كلمتهم ، وعلى ذلك سياسات ملوك الدنيا . ثم لا يقوم رعية لا تجعل فيهم شريعة يلزمون القيام بها وأساسا يبنون عليه ، ولا بد لأمثال ذلك من تدبير ممن يعلم أنه إذا خلقهم جعل لهم وجها يصلحون عليه ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر طرفا مما ذكره الورّاق « 1 » ، فقال فيما جاء به الرسل من الآيات المعجزات التي بمثلها يثبت القول بالتوحيد : إنهم لم يمتحنوا قوى الخلق ، ولا وقفوا على طبائع العالم التي يستعان بها في الأفعال ، بل لم تبلغ علم أكثرهم ، فكيف يعرفون بذلك مبالغ الحيل ؟ وهل الذي رأوا إلا كلعب أتى العجب ؟ وهل حدث السحر إلا لجذب حجر المغناطيس الحديد ؟ فيقال له : أبلغت أنت الذي ذكرت لتعلم أنت الذي قلت طعن أو تمويه ؟ فمهما قالوا من شيء فهو له جواب في الأول ، وجواب آخر : إنه لو كان في جوهر العالم الذي ذكر ، لم يحتمل ظهور ما ذكر من الحجر ؛ لأن الخاص إنما يحفظ باسمه لما يخرج من الاحتمال لبعد في الآيات ، وتخصيص ذلك من جوهره في الأعجوبة ، فأوجب ذلك أمرا ما جاء به الرسل خصوصا لهم ليكون لهم ، إنه في الخروج عن جوهره بالذي يدّعي ، مع ما بينا فيما تقدم أنه نشأ بين قوم على طبع ، علموا أن مثله لا يحتمل ذلك بجوهر بشر بالذي جاء به .

--> ( 1 ) هو أبو عيسى الوراق محمد بن هارون وهو من رؤساء المنانية ، توفي عام 247 م . هذا وقد سبقت الإشارة إلى المنانية ( الفهرست 1 / 472 ) .