أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

125

التوحيد

لتدافع الخلق ؛ لأن جوهر الخير إذ لا يجيء منه غير الخير ، ومن جوهر الشر غير الشر ، لكان صنع كل واحد منهما في بعض صنع الآخر ، وإفساده ما يقوم مع مثله عالم ، فدل الاتساق وتعلق منافع بعض ببعض على فساد هذا . على أنا إذا لم نقل بأن الكل لواحد لم يحتمل القول منا لعدد ؛ إذ لم يقدر واحد منهم على أفراد الذي منه باد يدل عليه ، ولا أعلم عليه علما يدل عليه ، لم يجب بمثله حق المعرفة به والعلم بحاله ، فيفسد العلم جميعا ؛ لجهل الأصل الذي كل أنواع العلم وفروعه به . مع ما ينفع أحد الجوهرين يضر الآخر ، وفي ذلك يلاقي الضار النافع ، فيبطل به نفع البتة ؛ لما معه المانع عنه . وفي وجود العالم وما فيه لكل منهم نفع هو الدليل الحق على أن مدبر ذلك كله واحد ، لحبس كل ضار عن عمله من وجه ضرره باللطف لتقبل ما أراد من النفع ليصل إلى من أراد نفعه . وهكذا هذه القصة فيمن أراد ضرره ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما أنه معلوم أن العقول ليست تركب للأكل والشرب ، ما لا عقل له في ذلك ما له العقل ، وتعظيم محل قوم اتقوا الأكل والشرب في القلوب وهم الملائكة ، فثبت أنها خلقت للعبر والنظر ؛ لما فيه المحامد والمكارم ، وإذ كان كذلك لزم خلق مختلف الجواهر في الحكمة ؛ ليكون بطريق العبرة تاما ، وحق النظر وافرا ، ولا قوة إلّا باللّه . على أنه معلوم في الشاهد أن من يعمل الأمرين جميعا هو أتم ، بل لا يقدر أحد على اتقاء ما يضره إذا لم يعلمه ؛ فعلى ذلك خلق الأمرين في الحكمة أوجب وأتم من خلق أحدهما ، مع ما في ذلك من دلالة غنى الفاعل وتمام قوته وعلمه بما يليق بكل شيء أن يكون عليه ، ولا قوة إلّا باللّه . ولو لم يكن لما عليه أهل التوحيد سوى أدلة صدق الدّعاة إليه ، والبراهين النّيرة معهم ، وهم الرّسل ، مما لا يوجد شيء من ذلك لأحد من منكري الصانع الواحد لكان ذلك كافيا ، فكيف وما من شيء إلا وهو بجوهره يشهد بحدثه ، وأنه حدث لمحدث حكيم ، لولا تعنت الملحدين بما ادعوا من قدم الأعيان مما لا سبيل لهم في الرجوع إليه إلا إلى تقليد من ليس معه دليل ، أو جعله سفهه ، وهو عجزه عن الوقوف على كون شيء لا عن شيء دليلا له . ولا ريب أن كلا منهم يعلم من نفسه جهلا بأشياء ، ثم العلم بها ، وعجزا عن أشياء ، ثم قدرته عليها ، وضرورة إلى أشياء ، ثم غنى عنها ، فحق من هذا وصفه أن لا يثق برأيه ، ولا ينفع ما يرى أنه من إشارة عقله . مع ما لا يخلو أن من رد ذلك إلى الطبائع التي لا تعقل ما يولد منها وبها ، وكذلك النجوم ، أو إلى عدد من الصانعين مما كان بدء أمرهم الجهل والعمى ، أو إلى تقليد أقاويل في قدم الأشياء على ما هي عليه مما يتناقض ويتضاد ، فأنى لهم العقل مع هذه الأصول المتجاهلة الذين هم فروعها ، أو الوقوف على حقائق الأشياء حتى يدعون