أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

115

التوحيد

ينفي الحقائق حتى يردّ قوله محققا وكذلك بدعواه ، وأما من يقول : ليس غير الاعتقاد ، فهو أي شيء يقول فإنما هو ذلك ، وإنما يقابل بالضرب المؤلم والقطع ، ويعتقد ما يعتقده هو ، فينكر عليه بضده أو بقوله إني أعتقد إنكارك إقرارا ، حتى يدفعه الضرورة إلى الإقرار بما أنكر . مع ما أنه اعتقاد لا غير ، وفي ذلك إثبات الاعتقاد ، فيبطل قوله بنفي العلم بإثباته الاعتقاد ، واللّه الموفق . مع ما عارض بأشياء ظهر له خلافه ، ولو لم يكن علم البتة بطل ما به يدفع من ظهور الخلاف ، ولا قوة إلّا باللّه . وسأل محمد بن شبيب نفسه بما يرى الشيء الواحد شيئين ، وآخر يرى شيئا واحدا ، فأيهما الحق ؟ فزعم أن الأول حسبه كذلك لنظره ، يبصره من جهته ، يرى بكل عين غير الجهة التي يرى بالآخر ، دليله أنه لو أعور لا يرى . قال الفقيه رحمه اللّه : والأصل في هذا ونحوه أن علم الحسّ يختلف باختلاف أحوال الحسّ ، يعلم ذو الحواس ما به من الآفة ، فيعلم أن الآفة حجاب ، فبالحاسة يعلم خلاف الحقيقة عند الآفة ، وحقيقته ممتد ارتفاعها ، وذلك يكون في الذي وقعت عليه الحاسة من لطافة أو بعد أو ستر الجو بما يغشاه ، ومرّة يكون في البصر ، وعلى ذلك شأن كل حاسة ، وذلك كله معلوم بالحواس ، فلا نقيض عليه . مع ما أنه على هذا القول يبطل القول بالخلاف ، وبه يحتج ، أو يثبت فيبطل قوله بنفي الحقيقة ؛ إذ ثبت الاختلاف ، ولا قوة إلّا باللّه . ويعلم الذي يذكر بالقرب منه أو بالزيادة من الضوء ليعلم حقيقته إن ضعف بصره عن إدراكه بالآفة ، ففي مثل هذه الأحوال يظهر ، ولا قوة إلّا باللّه . وجوابنا في صاحب الصفراء الذي يجد العسل مرّا ، هذا مع ما يعلم هو من نفسه الآفة فيما يجد به الطعم ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال ابن شبيب : اختلف فيه ، قال قوم : في العسل مرارة ، فإذا اتصل بما في ذائقه فيقوى المرارة فيجده مرّا . وقال قوم : إن في ذائق صاحب الصفراء مرارة المرّة الصفراء ، فلما اتصلت حلاوة العسل بالمرّة التي في الذائق وتحركت في ذائقه وجد حسّها كذلك . قال الشيخ رحمه اللّه : والأصل في هذا أن الإنسان إذا اشتمل على حدود وجهات فكل جهة منه تقابل جهة من المدرك ، لا يدرك بتلك الجهة غير الجهة التي قابلته ، فإذا اعترضت الآفة في جهته التي بها يدرك مقابلها أو غشي مقابلها شيء ستره فيذهب مقدار ذلك من الجهة ومقابلها ، فيكون كالإدراك بغير الجهة التي هي لذلك النوع من الإدراك ، فيكون الأحوال ثلاثة : بقلب الجهة لا يدرك منه شيئا البتة ،