أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
107
التوحيد
صيرت بالأعراض التي اعترضت فيها على ما ذكر من الاختلاف وهي الاجتماع والافتراق ، ولولا هما لكان كل جوهر من ذلك متفرقا ، ودل اختلاف الجواهر مع اجتماع الأخلاط فيها على غلبة الأعراض عليها ، وأنها تصرّفها من حال إلى حال ، ثم كانت الأعراض لأنفسها لا تقوم ولا تقدح في الأشياء ، ثبت أنها عملت فيها هذا العمل بمن يعلم أنها تعمل كذا ، ولم يجز أن يكون بعلم أحد ذلك إلا بمن يملك جعل تلك الجواهر يصلح لاحتمال تلك الأعراض ، ومحال علم مثله إلا بمن يجعلها كذلك ، وفي ذلك لزوم القول بواحد عليم قادر لا يخفى عليه شيء ولا يصعب عليه تكوين ما يريد كونه . وإن كانت أعراضا فمحال وجودها لأنفسها وقيامها ، فلزم القول بموجد قديم ، مع إيجاد ما فيه وبه يدخل في حد الوجود . على أن حدث الأعراض مما لا نمانع فيه ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإنه معلوم أن تلك الطبائع هي متضادة ، وحق التضاد التدافع ، وفي ذلك تفرّق ، وفي التفرّق تبدّد وتفان ، فلم يحتمل أن يكون أصول الأشياء لأنفسها كائنة وقائمة مع التناقض الذي ذكرت ، ثبت أنها إن كانت كانت بمانع عن التدافع الذي فيه التبدّد ، وهو الجامع بينها بعد التفرّق ، القاهر لها ، وبالجمع كان العالم ، ثبت حدوثه . وفي ذلك فساد القول بالطبائع لأن كون شيء لا عن شيء ليس بأبعد في العقول من قيام الشيء مع ضده وهو ما ينقضه ، ولبعد ذلك عن عقولهم صاروا إلى ما قالوا ، فإذا لزمهم فيما قالوا مثل الذي عنه فرّوا بطل قولهم وذهب عذرهم ، وباللّه العصمة . وقوم قالوا بمثل ذلك إلا أنهم زعموا أن ليس لأجناس الطبائع عدد يعرفونه ، وكلهم قالوا بقدم الأشياء في جميع جملتها من مهبّ الشمال والجنوب والدّبور والصّبا ومن أعلاها وأسفلها . وزعم قوم من المنجمة أن النجوم لم تزل تدبر أمر العالم ، وهي متصلة به ومنها سعد ، فاختلافه باختلاف ما اتصل به منها كأداة صاحب الديباج بالخيوط الموصولة من الإبر بسمّ بأعلى أداتها بما يظهر فيه من الظهور وغيره برفع الخشب وحفظها ، فمثله أمر النجوم بالعالم تختلف صورته باختلاف تحرك النجوم ، وفي اختلافها وائتلافها السعادة والنحس . وهي لم تزل تتحرك فيحدث من كل حركة غير الذي يحدث من غيرها ويتولد ذلك ، وبمثل ذلك يقولون في البيضة والدجاجة أنه يكون ذلك بضرب من حركات النجوم كالديباج الذي ذكرت . وزعموا أن الأجسام قديمة وهي غير الأعراض ، والحركات أعراض ، تحدث إلى ما لا نهاية لها ، وصيّروا أمر جميع العالم اضطرارا بما كان كذلك بالنجوم والأفلاك من اجتماع وتفرّق ، فمثله في النجوم نقول ، وباللّه التوفيق . قال الشيخ رحمه اللّه : أما القول بحركات لا نهاية لها فقد بينا فيما تقدم فسادها ،