أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

101

التوحيد

مسألة [ في لزوم العلم والنظر أو تركهما ] قال قوم : ترك النظر أسلم ؛ لما لا يأمن الناظر بالظفر بالحق ، ثم فيه فتح باب الحجة على نفسه مما لو امتنع عنه ليأمن العطب من حيث لولا هو لم يتخلله السبيل الذي يظنه أو الباطل ليلزمه حجة اللّه ؛ إذ بالفكر والبحث إرادة ما يضطر إلى العلم بأن الحق في ما انكشف له ، مع اشتباه خاطر الرحمن في الأمر والتحذير من خاطر الشيطان . وفي ترك النظر والبحث أمن ذلك ؛ إذ لم ينكشف له ما يلزمه التمييز ، ولا يخطر بذهنه ما يبعثه على الطلب ، ولا قوة إلّا باللّه . ومن ألزم النظر والبحث فيقول : في تركه عطبه لا محالة ؛ لأن لزوم النظر ليس عقيب نظر تقدمه بل عقيب الذي به يقع النظر والبحث وهو العقل الذي به يعرف المحاسن والمساوئ ، وبه يعلم فضله على سائر الحيوان ، وبه يعرف ملك تدبير أمر الأنام ، مع ما يأتي عليه ذهنه وفطنته تبدده وفناه بما نال من لذة الحياة ، وركّبت فيه شهوة البقاء وعظيم ألم أسباب الفناء ، لو اعترضه فلا بد من البحث في درك ما يلائمه ويبقى ألذ الأشياء وأشهاها عنده مما يأبى عقله المخاطرة بروحه في الامتحان بالأشياء دون تكلف ما يطلعه على الضار منها فيتقيه ، والنافع من ذلك فيجتلبه إما بالبحث عن تعرف من يثق بخبره ويأمر خيانته فيما يدله عليه ، فيصدر في كل ذلك عن رأيه ، أو أن يجهد في الامتحان بنفسه بالقليل الذي يريه عاقبته مما يؤمن عن مثله الهلاك لقتله ، فيكون في الأمرين جميعا لزوم البحث . مع ما يدفعه جهله بما جبل عليه من الشهوات ، وما يبعثه عليه نفسه من الملاذ ، عما يصيبه من المكروه وما يحل به من الألم ، إلى النظر في حال نفسه إنه بما صار كذلك ، أو هل كان كذلك في الأبد ؟ أو من أي وجه صار كذلك ؟ لا يسلم عن بعض الخواطر التي تمنعه عن ترك النظر في أحوال نفسه ليعرف به مباديه ، وليعلم أنه لذلك بنفسه أو بمن له في نفسه تدبير . مع ما لا بد من أن يعرف ما به صلاحه وفساده ، وما عليه من النعم وعنه من الدفاع ، وفي كل ذلك اضطرار إلى النظر ولزوم الحجة وباللّه التوفيق . مع ما يعلم بيقين أن هذا الذي سول له ترك النظر هو خاطر الشيطان ؛ إذ ذلك عمله ليصده عن ثمرة عقله ويفزعه لأمانته التي لديها ينال الفرصة ويظفر بالبغية ، دليل ذلك أن استعمال العقل بالفكر بالأشياء ليعرف ما استتر منها من المبادئ والنهايات ، ثم