ميرزا حسنعلي مرواريد
57
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
توجب جبرا على الطاعة ورفعا للتكليف ، لكون القدرة وكمال الحريّة واردة ومسيطرة على هذه كلّها ، كما يشهد به الوجدان . وبترك هذه الهداية من اللّه تعالى - لأجل إعراضهم وعدم اهتدائهم ، أي عدم قبول ما آتاهم اللّه من الهدى - تحصل الضلالة ، والعمى ، والختم ، والرين ، والغشاوة ، لا محالة . والظاهر أنّها أيضا - بحسب الغالب - ليست على حدّ يوجب الجهل والعجز الرافعين للتكليف ، بل هي نظير الخذلان وترك الإعانة على الطاعة لا توجب إلّا صعوبة الطاعة لا عدم إمكانها . ولو فرض حصولها إلى هذا الحدّ فإنّه يكفي في جواز تعذيبهم عقلا بأشدّ العذاب عدم إيمانهم باللّه تعالى شأنه ، أو عصيانهم إيّاه عندما هداهم ، مرّة واحدة قبل خروجهم عن الدنيا بلا توبة . وذلك لوضوح اختلاف مراتب استحقاق الذمّ والعقاب على إهانة واحدة - مثلا - إلى الغير بحسب اختلاف مراتب المهين والمهان في القدر والمنزلة ، كما عليه بناء العقلاء في الجملة ، ويشير إليه ما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : لا تنظروا إلى صغر الذنب ولكن انظروا إلى من اجترأتم « 1 » . فمنه يظهر أنّ المعصية الواحدة من المخلوق الذي لا غاية لمهانته - كما هو ظاهر لمن عرف نفسه بأنّ شيئيّته وكماله بالغير ، والغير خالقه الذي لا نهاية لعظمته ، ولا إحصاء لنعمائه - يستحق بها من التوبيخ والعذاب ما لا يبلغ غايته ، كما ينبّه عليه دعاء زين العابدين صلوات اللّه عليه ( الدعاء السابع والثلاثون من الصحيفة الكاملة ) : . . . فأمّا العاصي أمرك والمواقع نهيك ، فلم تعاجله بنقمتك ، لكي يستبدل بحاله في معصيتك حال الإنابة إلى طاعتك ، ولقد كان يستحقّ في أوّل ما همّ بعصيانك كل ما أعددت لجميع خلقك من عقوبتك . فجميع ما أخّرت عنه من العذاب وأبطأت به عليه من سطوات النقمة والعقاب ترك من حقّك ، ورضى بدون واجبك . . . ونقول لتوضيح الأمر الثاني ، من نصيب العقل في باب معرفة اللّه : إنّه تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقين ومباين لهم في ذاتهم وأوصافهم ومنزّه عنها - وهذه المعرفة هي
--> ( 1 ) - البحار 74 : 168 ، عن كنز الكراجكيّ .