ميرزا حسنعلي مرواريد

52

تنبيهات حول المبدأ والمعاد

والنهار ، وتفجّر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرّق هذه اللغات ، والألسن المختلفات . فالويل لمن أنكر المقدّر ، وجحد المدبّر ، زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ، ولم يلجئوا إلى حجّة فيما ادّعوا ولا تحقيق لما أوعوا . وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان ؟ ! وإن شئت قلت في الجرادة ، إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين . وجعل لها السمع الخفيّ ، وفتح لها الفم السويّ ، وجعل لها الحسّ القويّ ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض ، يرهبها الزرّاع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها ولو أجلبوا بجمعهم ، حتى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه شهواتها . وخلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة . فتبارك اللّه الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ، ويعفر له خدّا ووجها ، ويلقي إليه بالطاعة سلما وضعفا ، ويعطي له القيادة رهبة وخوفا . فالطير مسخّرة لأمره . أحصى عدد الريش منها والنفس ، وأرسى قوائمها على الندى واليبس ، وقدّر أقواتها ، وأحصى أجناسها . فهذا غراب ، وهذا عقاب ، وهذا حمام ، وهذا نعام . دعا كل طائر باسمه ، وكفل له برزقه . وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها ، وعدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جدوبها « 1 » . وعن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا « 2 » . قال : فمن لم يدلّه خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، ودوران الفلك بالشمس والقمر والآيات العجيبات على أنّ وراء ذلك أمرا هو أعظم منه فهو في الآخرة أعمى قال : فهو عمّا لم يعاين أعمى وأضلّ سبيلا « 3 » . وروي أنّ عبد اللّه الديصاني أتى هشام بن الحكم . . . فمضى عبد اللّه الديصاني حتى أتى باب أبي عبد اللّه عليه السّلام ، فاستأذن عليه فأذن له ، فلمّا قعد قال له : يا جعفر بن محمّد

--> ( 1 ) - نهج البلاغة الخطبة 185 ، البحار 3 : 26 ، عن الاحتجاج . ( 2 ) - الإسراء 72 . ( 3 ) - البحار 3 : 28 ، عن الاحتجاج .