ميرزا حسنعلي مرواريد
47
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
ثم إنّ إحداث ماهيات جميعها في أذهاننا وأوهامنا بالقدرة التي أعطانا اللّه على تصوير ماهيات الأشياء - وبعبارة أخرى : إيجاد صورها عند أنفسنا - هو أيضا من شواهد مصنوعيتها ، أي مصنوعيّة كلّ ما يمكن تصوره ، كما نبّه عليه الإمام الباقر صلوات اللّه عليه : كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم ومردود إليكم « 1 » . بداهة أن ليس المراد من الخبر إثبات مصنوعية نفس الصورة الذهنية ، بل المراد إثبات مخلوقيّة كل ما يمكن تصوّره وتكون الصورة الذهنية حاكية عنه ومثالا له . وبعبارة أخرى : إثبات أنّ كل ما تشاهده الحواسّ الظاهرة أو يتصوّر بالحواس الباطنة سنخ المخلوق المصنوع الحادث . ومتى ظهرت له مصنوعيّة الأشياء جميعها فلا بدّ له من التصديق والإذعان لمطلب ثان وهو أنّ للأشياء صانعا وإن لم يعلم من هو ، وما هو ، وفي أيّ زمان صنعها . وسنذكر قريبا التنبيه على هذا المطلب الثاني في غير واحدة من الآيات والروايات . ثم يتذكر بأنّ فيها من بدائع الخلق ولطائف الصنع ودقائق التدبير ووجوه المصالح والحكم والنظم الحاكم فيها آثارا تكشف عن علم صانعها وخالقها وقدرته وقوته وعظمته وحكمته ولطفه ووحدته وسائر كمالاته . مضافا إلى أنّ بعض هذه المخلوقات كأفراد الإنسان له العلم والمعرفة بالدقائق واللطائف ، والقدرة والاختيار والحكمة والجود والكرم والرحمة وسائر أوصاف الجمال باختلاف درجاتها . فيتذكر بأنّها أنوار وكمالات خارجة عن حقيقة ذاته ، كما مرّ مرارا ، يجدها تارة فيعلم ويختار وهكذا ، ويفقدها أخرى فيجهل ويعجز كما هو مقتضى ذواتنا . فهذه آيات أخرى نوريّة لعلم واهبها وقدرته وسائر كمالاته ، كما كانت ذوات المخلوقات آيات ظلمانية مشيرة تكوينا بوصف مصنوعيّتها ومخلوقيّتها إليه تعالى وإلى كمالاته . الآيات والروايات المذكّرة بوجود الصانع وأمّا المطلب الثاني فالقرآن المجيد مشحون بالتنبيه عليه ، نذكر هنا طرفا منها إن
--> ( 1 ) - كتاب الأربعين للشيخ البهائيّ 17 .