ميرزا حسنعلي مرواريد

239

تنبيهات حول المبدأ والمعاد

وعند عروض الغشوة بعد وجدانه ، وكذا وجداننا بعد الفقدان ، فإنّ هذا الوجدان والفقدان وتداوم ذلك في جميع أفراد الإنسان ينبّهنا على أنّ حقيقة الإنسان مظلمة ميّتة بالذات ، وأنّ حياته وشعوره من أوّل العمر إلى آخره إنّما هي ببركة هذا النور الخارج عن حقيقته ، فعند الوجدان يحصل العلم للإنسان ، وعند الفقدان يجهل أو يحصل له النسيان ، وكلّ ذلك لا بنحو الممازجة ، ولا البعد والمفارقة . وبعد وضوح مغايرته لهذا النور نقول : مغايرة سائر الأشياء المعلومة بالحواسّ الظاهرة لهذا النور أوضح ، فإن كلّ ما يدرك بالحواسّ الظاهرة من الجوهر والعرض مظلم ذاتا ، والعلم المظهر له ذاته النور ، ومباينة نوريّ الذات مظلم الذات ظاهرة . هذا في المعلومات الخارجية ، أي المحسوسات بالحواسّ الظاهرة ، وأمّا المعلومات النفسيّة أي المتصوّرات فحالها في كونها ظاهرة بنور خارج عن ذات العالم بها واضحة أيضا لمن عرف نور العلم . وقد مرّ أنّ الدليل على ما ذكرنا كلّه هو نفس نور العلم الظاهر بذاته المعرّف لغيره ، ولا بدّ للمعلّم أن يذكّر به المتعلّم ، ولا طريق له عادة إلّا ذلك . التنبيه الثالث عشر : يمكن لكلّ ذرّة وجدان العلم والإدراك قد مرّ أيضا أنّ ما ذكرناه جار في كلّ شيء بل كلّ ذرّة من ذرّات عالم المادّة ، أي يمكن أن تدرك تلك الذرّة كلّ أمر يدركه الإنسان ، فإنّ توقّف علم الإنسان على سلامة دماغه وبنيته إنّما هو من السنن التي أجراها مسبّب الأسباب بمشيئته ، وهي وإن لم تتخلّف غالبا وبحسب العادة إلّا أنّ له تعالى شأنه إفاضة نور العلم على كلّ جزء يصدق عليه أنّه شيء دون الجزء المجاور له بدون تلك الأسباب ، كما شاء وأذن لكل شيء أن يسبّح بحمده وإن لم يفقه الناس تسبيحه . وحمله على خصوص التسبيح التكويني أي بلسان الحال لا موجب له ، كما سبّح الحصى في كفّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتى سمعه الناس « 1 » . وتقدّم ذكر الآيات الدالّة على شهادة الأيدي والأرجل وغيرها يوم القيامة بما

--> ( 1 ) - روى في البحار 17 : 377 عن الخرائج عن أنس أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أخذ كفّا من الحصى فسبّحن في يده ثمّ صبّهن في يد عليّ عليه السلام فسبّحن في يده ، حتّى سمعنا التسبيح في أيديهما ، ثمّ