ميرزا حسنعلي مرواريد
22
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
ثم إنّ هذه المباينة والغيريّة لا تزال ثابتة بلغ الإنسان ما بلغ من حدّ الكمال ، قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً « 1 » . وقال تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً « 2 » . نظر في تقسيم العلم وتعريفه يظهر ممّا ذكرنا أنّ ما يقال ، أو يتصوّر ، أو يعقل ، من الكيفيّات والأطوار والأحوال ، وسائر الجواهر والأعراض المفهومة كلّها - نظير الأمور المحسوسة بالحواسّ الظاهرة - أمور مظلمة يكون ظهورها بغيرها ، وهو العلم الخارج عنها . فيعلم أنّ تقسيم العلم إلى الحضوريّ والحصوليّ ، وتعريف العلم الحضوريّ بحضور الشيء عند العالم ، والحصوليّ بحصول الشيء عند النفس ، أو بحصول صورة الشيء عندها ، أو بقبول النفس تلك الصورة . . . كلّه أجنبيّ عن حقيقة العلم الظاهر بذاته ، فإنّ شيئا منها ليس ظاهرا بذاته ، ولا مظهرا لغيره ، بل كلّها ظاهرة بأمر آخر يكون هو العلم بها ، كما يشهد بذلك أنّك لو سألتهم : هل تعلمون حضور الشيء عند النفس أو هل تعلمون الصورة الحاصلة ، أو حصول تلك الصورة عند النفس لقالوا : نعم ، فيقال لهم : بما ذا تعلمونها ؟ وبم صارت معلومة عندكم ؟ فما يعلم به تلك الأمور هو العلم ، لا تلك الأمور نفسها . ومنه يعلم حال التصوّر والتصديق اللّذين قسّم العلم الحصوليّ إليهما ، وأنّهما من أحوال النفس ، يعلمان بالعلم وليسا بقسمين منه . ثم إنّهم يمثّلون للعلم الحضوريّ - وهو حضور الشيء عند النفس - بحضور الصورة الذهنيّة عندها ، وبحضور كلّ معلول عند علّته ، وقد علمت أنّ النفس والصور ، وكلّ علّة ومعلول ، وحضور الصور عند النفس ، وحضور كلّ معلول عند علّته كلها من الأمور المكشوفة بالعلم ، وليست هي العلم .
--> ( 1 ) - النحل 78 . ( 2 ) - الحج 5 .