ميرزا حسنعلي مرواريد
212
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
رجل من أهل الشام من علمائهم ، فقال : يا أبا جعفر ! جئت أسألك عن مسألة قد أعيت عليّ أن أجد أحدا يفسّرها ، وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس ، فقال كلّ صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر ، فقال له أبو جعفر عليه السّلام : ما ذاك ؟ قال : فإنّي أسألك عن أوّل ما خلق اللّه من خلقه ، فإنّ بعض من سألته قال : القدر ، وقال بعضهم : القلم ، وقال بعضهم : الروح . فقال أبو جعفر عليه السّلام : ما قالوا شيئا ، أخبرك أنّ اللّه تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره ، وكان عزيزا ولا أحد كان قبل عزّه ، وذلك قوله : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ « 1 » ، وكان الخالق قبل المخلوق . ولو كان أوّل ما خلق اللّه الشيء من الشيء إذا لم يكن له انقطاع أبدا ، ولم يزل اللّه إذا ومعه شيء ليس هو يتقدّمه ، ولكنّه كان إذ لا شيء غيره ، وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه ، وهو الماء الذي خلق الأشياء منه ، فجعل نسب كلّ شيء إلى الماء ، ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه ، وخلق الريح من الماء ، ثمّ سلّط الريح على الماء ، فشققت الريح متن الماء حتّى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور ، فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقيّة ليس فيها صدع ، ولا ثقب ، ولا صعود ، ولا هبوط ، ولا شجرة ، ثمّ طواها فوضعها فوق الماء ، ثمّ خلق اللّه النار من الماء . . . الخبر « 2 » . وفي العلل بسنده عن محمّد بن سنان ، عن عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : سألته عن أوّل ما خلق اللّه عزّ وجلّ ، قال : إنّ أوّل ما خلق اللّه عزّ وجلّ ما خلق منه كلّ شيء ، قلت : جعلت فداك وما هو ؟ قال : الماء ، إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق الماء بحرين ، أحدهما عذب والآخر ملح . فلمّا خلقهما نظر إلى العذب فقال : يا بحر ! فقال : لبّيك وسعديك ، قال : فيك بركتي ورحمتي ، ومنك أخلق أهل طاعتي وجنّتي . ثمّ نظر إلى الآخر فقال : يا بحر ! فلم يجب ، فأعاد عليه ثلاث مرّات : يا بحر ! فلم يجب ، فقال : عليك لعنتي ، ومنك أخلق أهل معصيتي ومن أسكنته ناري ، ثمّ أمر هما أن يمتزجا فامتزجا ، قال : فمن ثمّ يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن « 3 » .
--> ( 1 ) - الصافات 180 . ( 2 ) - روضة الكافي 94 / 67 ، البحار 57 : 96 ، ورواه في ص 66 بتفاوت عن توحيد الصدوق بسنده عن جابر الجعفيّ ، إلى قوله : وهو الماء . ( 3 ) - علل الشرائع 1 : 83 ، البحار 5 : 240 .