ميرزا حسنعلي مرواريد

205

تنبيهات حول المبدأ والمعاد

في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا كما منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوامّ من أجوافها ، فما أكلته ومزّقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها ، وإنّ تراب الروحانيّين بمنزلة الذهب في التراب فإذا كان حين البعث مطرت الأرض ، فتربوا الأرض ثمّ تمخض مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كلّ قالب ( إلى قالبه ) « 1 » ، فينتقل بإذن اللّه تعالى إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها ، وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا . . . « 2 » . وعن أمالي الشيخ مسندا عن حفص بن غياث ، قال : كنت عند سيّد الجعافرة جعفر بن محمّد عليهما السّلام لمّا أقدمه المنصور ، فأتاه ابن أبي العوجاء وكان ملحدا فقال : ما تقول في هذه الآية كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها « 3 » ، هب هذه الجلود عصت فعذّبت ، فما ذنب الغير ؟ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : ويحك هي هي وهي غيرها . قال : أعقلني هذا القول ، فقال له : أرأيت لو أنّ رجلا عمد إلى لبنة فكسرها ثمّ صبّ عليها الماء ، وجبلها ثمّ ردّها إلى هيئتها الأولى ألم تكن هي هي وهي غيرها ؟ فقال : بلى أمتع اللّه بك « 4 » . أقول : الظاهر أنّ المراد أنها هي هي من جهة المادّة ، وغيرها من جهة الصورة ، فعليه تكون الرواية صريحة في أنّ المعذّب ليس هو الصورة المحضة ، وإلّا فلا يكون هي هي حقيقة . وعن أمالي الصدوق مسندا عن جميل عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام ، قال : إذا أراد اللّه أن يبعث الخلق أمطر السماء أربعين صباحا ، فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم « 5 » .

--> ( 1 ) - ما بين القوسين ليس في البحار . ( 2 ) - الاحتجاج 2 : 97 ، وعنه البحار 7 : 37 . ( 3 ) - النساء : 56 . ( 4 ) - البحار 7 : 39 عن الأمالي و 7 : 38 عن الاحتجاج بتفاوت يسير . ( 5 ) - البحار 7 : 33 .