ميرزا حسنعلي مرواريد
166
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
العلتين المستقلتين على معلول واحد ، فلو كان للّه تعالى أيضا مشيئة في فعله ذلك - كما يظهر من بعض الآيات والروايات المتقدمة وغير ها - فلا محالة يكون متعلقها مقدمات ذلك الفعل وأسبابه والدواعي إليه ، وحدود القدرة المفاضة إليه ، والمعونة والخذلان فيه . ويكون المراد من تلك الروايات نفي التفويض لا إثبات الجبر ، كما يشهد عليه - مضافا إلى ما مرّ - أنّها نزلت وصدرت عن اللّه تعالى شأنه ، وعن رسوله وخلفائه الذين من ضروريات دينهم نفي الجبر ، فكيف يحتمل العاقل المنصف أنّهم أرادوا بها إثباته . مضافا إلى ما ورد منهم في تفسير ها وبيان المراد منها . هذا بعض الكلام في نفي الجبر في أفعال العباد . وأمّا التفويض فهو أيضا مما دلّت الأدلّة العقلية والنقلية على نفيه في أفعالنا ، ولعلّ الدليل النقلي بل العقلي - بعد معرفة الإنسان نفسه - عليه أكثر ، والمؤمن إلى التذكّر به والتوجّه إليه - دفعا للوقوع في الشرك ولتوهّم الاستقلال وغير هما من المفاسد - أحوج . ومما يدلّ عليه عقلا : أنّ حقيقة الإنسان كسائر الموجودات شيء قائم بالغير ، أي لا قوام له إلّا باللّه تعالى ، فهو في كل آن محتاج في شيئيته وبقائه إليه تعالى ، وهو بعد الوجود والتكوّن فاقد بذاته لجميع الكمالات من الحياة والشعور والفهم والعقل والقدرة وغير ها ، ومحتاج - في وجدانه لها وفي بقائها له في كل آن أيضا - إليه تعالى شأنه . مضافا إلى أن تمكّنه من الأفعال الخارجية إنّما هو بالآلات البدنية وبالأسباب ، وهي كلها في وجودها وتهيّئها للإنسان محتاجة إليه تعالى ، وأيضا للإنسان دواع كثيرة ، وكل واحدة منها يجرّ الإنسان إلى العمل بمقتضاه ، فمع هذه الفاقة والحاجة في جميع شؤونه إليه تعالى كيف يجوز له الاعتقاد بالتفويض في أفعاله ؟ ! ويدلّ عليه - مضافا إلى الآيات والروايات المتقدم بعضها الدالة على تعلق الأمور مطلقا على مشيئة اللّه - آيات اخر يظهر منها ذلك . وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ « 1 » . وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ
--> ( 1 ) - هود 34 .