ميرزا حسنعلي مرواريد

108

تنبيهات حول المبدأ والمعاد

تنبيه أثر مفطوريّتهم على معرفة اللّه تعالى وتوحيده - وقد دلّت عليها الروايات المتقدّمة - إنّما يظهر بعد هداية اللّه تعالى إيّاهم ببعث الرسل والأنبياء واستيدائهم الميثاق الذي واثقهم به في العوالم السابقة ونسوه ، كما في الخطبة المباركة : وابتعث فيهم رسله ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكّروهم منسيّ نعمته « 1 » . ولا سيما إذا أخذوا بالبأساء والضرّاء ، وأما قبل ذلك فهم على الضلال وعلى نسيان العهد والميثاق ما لم يذكروا بما فطروا عليه ، كما تدلّ عليه رواية العيّاشيّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في آية : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً « 2 » . قال : كان هذا قبل بعث نوح ، كانوا أمّة واحدة ، فبدا للّه فأرسل الرسل قبل بعث نوح ، قيل : أعلى هدى كانوا أم على ضلالة ؟ قال : بل كانوا ضلّالا ، لا مؤمنين ، ولا كافرين ، ولا مشركين « 3 » . وفي رواية أخرى قال : وذلك أنّه لما انقرض آدم وصالح ذريّته بقي شيث وصيه لا يقدر على إظهار دين اللّه الذي كان عليه آدم وصالح ذريّته . وذلك أنّ قابيل توعّده بالقتل كما قتل أخاه هابيل ، فسار فيهم بالتقية والكتمان ، فازدادوا كل يوم ضلالا حتى لم يبق على الأرض معهم إلّا من هو سلف ، ولحق الوصي بجزيرة في البحر يعبد اللّه ، فبدا للّه تبارك وتعالى أن يبعث الرسل . . . قلت : أفضلالا كانوا قبل النبيين أم على هدى ؟ قال عليه السّلام : لم يكونوا على هدى ، كانوا على فطرة اللّه التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق اللّه ، ولم يكونوا ليهتدوا حتى يهديهم اللّه ، أما تسمع يقول إبراهيم عليه السّلام : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ « 4 » . أي ناسيا للميثاق « 5 » . وعن العلل عنه عليه السّلام : إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الناس على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة ولا كفرا بجحود ، ثمّ ابتعث اللّه الرسل إليهم يدعونهم إلى الإيمان

--> ( 1 ) - نهج البلاغة : الخطبة 1 . ( 2 ) - البقرة 213 . ( 3 ) - تفسير العيّاشيّ 1 : 104 ، تفسير البرهان 1 : 210 . ( 4 ) - الأنعام 77 . ( 5 ) - تفسير العيّاشيّ 1 : 104 ، تفسير البرهان 1 : 210 .