ابن عبد الرحمن الملطي

62

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

وكل هوى رحمكم الله فهو يطغى ويردى ، فعلى العبد محاسبة نفسه وزجرها عن الفضول الموبق ، وأن يحذر أن يقول قولا مال به إليه فيحبط ذلك عمله ، وإن الله عز وجل قال : ( وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) [ 201 ] ، وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سب أصحابي فعليه لعنة الله » فليحذر الساب صحابة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن نلحقه لعنة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأيضا فإنما أمرنا أن نستغفر للذين سبقونا بالإيمان ، وعلمنا أن نقول : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) [ 202 ] . قال أبو الحسين : لما قص الله عز وجل علينا شأن آدم صلى الله عليه وسلم وأمره للملائكة بالسجود لآدم ، ونبهنا على جملة الخبر ، وقصة إبليس وكيف استكبر لما سبق فيه من الشقاء ، وكيف قاس فقال : ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) [ 203 ] ، فقال عز وجل : ( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) إلى آخر السورة ، وكان بقياسه الفاسد وتركه أمر ربه كافرا ملعونا فسأل التأخير إلى يوم القيامة فأخره كما قص الله شأنه . وقال جماعة من التابعين رحمهم الله : أن أول من قاس إبليس ، وذلك أنهم يريدون أنه قاس ليدفع بقياسه ما أمر به نصا ؛ لأن الله عز وجل أمره بالسجود لآدم فقال : ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) يريد أن قوة النار على الطين دليل على أن الأضعف حكمه أن يخضع للأقوى ، وأن آدم أولى بالسجود فوضع إبليس القياس في غير موضعه ؛ لأن ذلك القياس من إبليس إنما يستعمل مثله إذ لم يقع أمر ولا نص ، فلما استعمل إبليس هذا مع وجود النص والأمر اللازم كان مخطئا في قياسه ، فصار بقياسه الفاسد كافرا ملعونا ، وكان قبل من خيار الملائكة ، فنعوذ بالله من مكروه وسوء ما سبق من الكتاب الأول . قال أبو الحسين : وأهل البدع وافقوا إبليس في مجال القياس وتركوا النص من التنزيل وتأولوا تأويلا فاسدا ، فعدلوا عن نص الخبر إلى القياس الفاسد ، وهذه جملة عددهم واختصار أخبارهم .