ابن عبد الرحمن الملطي
53
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
الملوك ، يقول الملك وحده : قد أمرنا لك بكذا وكذا . ونحن نعطيك كذا وكذا ، ولا يحسن هذا القول لغير الملوك ، وأن الله سبحانه ملك الملوك ، وهذا من قوله ، وهو واحد لا شريك له في الملك ، ولا في شيء من الأشياء ، فهذا تفسيرهما . وأما قوله لآدم عليه السلام : ( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ) [ 152 ] ، وقال في آية أخرى : ( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ) [ 153 ] . وقال في آية أخرى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) [ 154 ] . فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا وليس بمنتقض ، ولكن تفسيرهن في اختلاف الحالات مشتبه . أما قوله لآدم : ( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ) فإن بدء خلقه كان من تراب من أديم الأرض فذلك قوله : ( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ) . فحول التراب بالماء إلى الطين . فذلك قوله : ( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ) [ 155 ] . فصار طينا إذ قبض عليه انسل فذلك قوله : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) [ 156 ] . فترك حتى تغير ريحه فذلك قوله ( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) يعنى من حما متغير الريح ، وكان طينا لاصقا فذلك قوله : ( طِينٍ لازِبٍ ) [ 157 ] ، يعنى لاصقا جيدا ، ثم صوره فتركه مصورا حتى جف فإذا حرك صار له قعقعة بمنزلة الطين الجيد إذا ذهب عنه الماء تشقق وصار له صوت كصوت الفخار . فذلك قوله : ( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ) . ثم نفخ فيه الروح فصار لحما ردما ، فأراد أن ينهض قبل أن تتم الروح فيه فذلك قوله : ( خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ) [ 158 ] ، ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) [ 159 ] يعنى خلق ذريته من النطفة التي تنسل من الإنسان ، والهين الضعيف . وأما قوله جل ثناؤه : ( قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) [ 160 ] ، وقوله في آية أخرى : ( لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ) [ 161 ] ، فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا وليس بمنتقض ولكن تفسيرهما في وجوه الحالات مشتبه . أما قوله : ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) ، يعنى كنا نطفا ميته ليست فيها أرواح فخلقتنا من تلك النطفة ، فجعلت فينا أرواحا ، فهذه موتة وحياة يعنى بالموتة ،