ابن عبد الرحمن الملطي

39

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

والشراة كلهم يكفرون أصحاب المعاصي ومن خالفهم في مذاهبهم مع اختلاف أقاويلهم ومذاهبهم . يقال لهم : من أين قلتم : لا حكم إلا لله ؟ وقد حكم الله الناس في كتابه في غير موضع قال عز وجل في جزاء الصيد : ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) [ 67 ] وقال تعالى : ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما ) [ 68 ] وقال : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) [ 69 ] يعنى الزوج والزوجة . وقال ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) [ 70 ] وأيضا ( فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) [ 71 ] وقال : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا ) [ 72 ] . فهذا محكم القرآن قد جعل أحكاما كثيرة إلى العلماء ، وإلى الأمراء من الناس ينظرون فيه مما لم ينزل بيانه من عند الله فكيف قلتم : لا حكم إلا لله ؟ فإن أبوا هذا الشرح ، ومحكم الكتاب ظهر جهلهم . وإن قالوا به تركوا قولهم ورجعوا إلى الحق . ويقال لهم لا يحل دم مؤمن يهرق إلا بثلاثة خلال : إما زنى بعد إحصان ، أو ارتداد بعد إيمان ، أو أن يقتل نفسا عمدا فيقتل به ، ثم لم يطلق قتل أحد من أهل القبلة ، فيم استحللتم قتل الناس ؟ فإن حاولوا حجة لم يجدوها ، وإن مروا على جهلهم بغير حجة بان خطؤهم . ويقال لهم في تكفير الناس : كفرتم من أقر بالله ورسوله ودينه ثم أتى كبيرة ؟ فإن قالوا : « قياسا على قول الله عز وجل : ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) [ 73 ] ثم قال عز وجل : ( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) [ 74 ] ، وقال : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) [ 75 ] ، فلم يجعل الله بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة ، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك والإيمان رأس الأعمال ، وأموال الفرائض في عمل ، ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله وإيمانه ، ومن حبط عمله فهو بلا إيمان ، والّذي لا إيمان له مشرك كافر » .