خواجه نصير الدين الطوسي

46

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

الكلام الّذي ذكرته أنت يفيد القطع بالثّبوت ، والّذي ذكرته أنا إنّما يفيد التّهمة . والشّك إنّما يتولّد من هذا المأخذ . فأنا شاك ، وشاك في أنّى شاكّ ، وهلمّ جرّا . واعلم أنّ الاشتغال بالجواب عن هذه الشّبهة يحصل غرضهم ، على ما قرّروه في كلماتهم . فالصّواب أن نتشاغل بالجواب عنها ، لأنّا نعلم أنّ علمنا بأنّ « الواحد نصف الاثنين » وأنّ « النّار حارّة » و « الشّمس مضيئة » لا يزول بما ذكروه ، بل الطّريق أن يعذّبوا حتى يعترفوا بالحسيّات وإذا اعترفوا بالحسيّات اعترفوا بالبديهيّات ، أعنى الفرق بين وجود الألم وعدمه . وأمّا الأجوبة المفصّلة عن هذه الأسئلة فسيجيء في الأبواب المستقبلة إن شاء اللّه تعالى . أقول : إنّ قوما من الناس يظنون أنّ السوفسطائيّة قوم لهم نحلة ، ومذهب ويتشعّبون إلى ثلاث طوائف : اللاأدريّة ، وهم الّذين قالوا : نحن شاكّون ، وشاكّون في أنّا شاكّون ، وهلم جرا . والعناديّة ، وهم الّذين يقولون : ما من قضيّة بديهيّة أو نظريّة إلّا ولها معارضة ومقاومة مثلها في القوّة والقبول عند الأذهان . والعنديّة ، وهم الّذين يقولون : مذهب كلّ قوم حقّ بالقياس إليهم ، وباطل بالقياس إلى خصومهم ، وقد يكون طرفا النّقيض حقّا بالقياس إلى شخصين ، وليس في نفس الأمر شيء بحقّ . وأمّا أهل التّحقيق فقد قالوا : هذه لفظة من لغة اليونانييّن ، فانّ « سوفا » بلغتهم اسم للعلم والحكمة و « اسطا » اسم للمغلطة ، فسوفسطا معناه علم الغلط . كما كان « فيلا » اسم للمحبّ ، و « فيلسوف » معناه محبّ العلم . ثمّ عرّب هذان اللفظان ، واشتقّ منهما السّفسطة والفلسفة . قالوا : وليس ولا يمكن أن يكون في العالم قوم ينتحلون هذا المذهب ، بل كلّ غالط سوفسطائى في موضع غلطه . وكثير من النّاس متحيّرون ، لا مذهب لهم أصلا ، وقد رتّب مثل هذه الأسئلة والايرادات ذلك المتحيّرون من طلبة العلم وأسندوها إلى السّوفسطائية ، واللّه أعلم بحقيقة الحال .