خواجه نصير الدين الطوسي
44
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل
قال : الحجة الخامسة أنّا نرى لاختلاف الأمزجة والعادات تأثيرا في الاعتقادات ، وذلك يقدح في البديهيّات . أمّا الأمزجة فلأنّ ضعيف المزاج يستقبح الايلام ، وغليظ المزاج قاسى القلب قد يستحسنه . فربّ إنسان يستحسن شيئا وغيره يستقبحه . وأمّا العادات فهو أنّ الانسان الّذي مارس كلمات الفلاسفة والفها ، من أوّل عمره إلى آخره ، ربما صار بحيث يقطع بصحّة ما يقولونه ، وبفساد كلّ ما يقول مخالفوهم . ومن مارس كلام المتكلّمين كان الأمر بالعكس . وكذا القول في أرباب الملل ، فانّ المسلم المقلّد يستقبح كلام اليهود في أوّل الوهلة ، واليهوديّ بالعكس ، وما ذاك إلّا بسبب العادات . وإذا ثبت أنّ لاختلاف الأمزجة والعادات أثرا في الجزم بما لا يجب الجزم به ، فلعلّ الجزم بهذه البديهيّات لمزاج عامّ أو لألف عامّ . وعلى هذا التّقدير لا يجب الوثوق . لا يقال : إنّ الانسان يفرض نفسه خالية عن مقتضيات الأمزجة والعادات ، فما يجزم العقل به في تلك الحالة كان حقّا ، لأنّ الجازم به في تلك الحالة هو صريح العقل ، لا المزاج والعادة . لأنّا نقول : هب أنا فرضنا خلوّ النّفس عن المزاج والعادة ، لكن فرض الخلوّ لا يوجب حصول الخلوّ ، فلعلّنا إن فرضنا خلوّ النّفس عنهما لكنّها ما خلت عنهما ، وحينئذ يكون الجزم بسببهما ، لا بسبب العقل . سلّمنا أنّ فرض الخلوّ يوجب الخلوّ ، لكن لعلّ في نفوسنا من الهيئات المزاجيّة والعاديّة ما لا نعرفه على التّفصيل ، وحينئذ لا يمكننا فرض خلوّ النفس عنها ، وذلك سبب التّهمة . أقول : أمّا استحسان الأشياء واستقباحها فيجىء القول فيهما ، وأمّا مقتضيات الطّبائع والعادات والدّيانات فلا شكّ في كونها مؤثّرة في اعتقادات العوامّ ، لكنّها لا تعارض متانة الحقّ الّذي يعترف به جميع العقلاء حتّى البله والصّبيان والمجانين . وقد حذّر العلماء طالبى الحقّ عن متابعة الأهواء والطّبائع والعادات ، بمثل قول القائل : « رؤساء الشياطين ثلاثة : شوائب الطّبيعة ، ووساوس العادة ، ونواميس الأمثلة » . ولا شكّ أنّ البديهيّات لا تنقدح بها .