خواجه نصير الدين الطوسي

14

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

سوفسطيقا والمناظر . وبعد تمهيد هذه المقدّمة أقول : النّظر والبحث لا يمكن تمهيدهما إلّا بعد حصول العلم أو الاتفاق على مقدمات هي المبادى ، أو حصول اعتراف بوضع مقدّمات هي كالمبادي . ولو لم تكن المبادى الأول معلومة أو موضوعة لم يكن نظر في شيء ولا بحث عن شيء ، فانّ النّظر والبحث يقتضيان التأدّى من أصل حاصل إلى فرع مستحصل . وإذا لم يكن الأصل حاصلا ، امتنع التأدى من لا شيء إلى شيء ، ولهذا لم يمكن البحث مع منكري المحسوسات والأوليات . ومن يتكلم معهم ، يقصد إرشادهم وتنبيههم أو تحصيل اعتراف منهم ، بنوع من الحيل ، إلى أن يحصل لهم استعداد أن ينظروا في شيء أو استحقاق أن يباحثوا في شيء . فإذن ، الشّكوك الّتي اخترعها هذا الفاضل عن لسان قوم مفروض ، يعبّر عنهم بالسّوفسطائيّة ، لا تستحقّ الجواب أصلا . إنّما يجاب من يثق أو يعترف بالوثوق على الاوليّات والمحسوسات ببيان التّفصّى عن مضايق مواضع الغلط بذكر أسباب الغلط ، وإحالة تصويب الصواب وتخطئة الخطأ بعد ذلك إلى صريح العقل المرتاض ، برفض العقائد الباطلة والتّقليدات الواهية والعادات المضلّة . ولنرجع إلى ما كنّا فيه . قال : واحتجّوا عليه بأنّ حكم الحسّ إمّا أن يعتبر في الجزئيّات أو في الكليّات . أمّا في الجزئيّات فغير مقبول ، لأنّ حكمه في معرض الغلط . وإذا كان كذلك لم يكن مجرّد حكمه مقبولا . أقول : قد ظهر ممّا مرّ أنّ الحسّ لا حكم له ، لا في الجزئيّات ولا في الكليّات ، إلّا أن يكون المراد من حكم الحسّ حكم العقل على المحسوسات . وإذا كان كذلك كان الصّواب والغلط إنّما يعرضان للعقل في أحكامه . وأيضا لو كان حكم الحسّ غير مقبول لكونه في معرض الغلط ، لكان حكم العقل أيضا كذلك . قال : بيان الأول في خمسة أوجه : أحدها أن البصر قد يدرك الصّغير كبيرا ، كما يرى النّار البعيدة في