خواجه نصير الدين الطوسي

399

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

وزال به الأوّل استحال أن يزول هذا الاستحقاق الثاني ، لأنّه ليس له مزيل ، فيصير هذا هو القسم الأوّل الّذي كان مذهبا لأبى على ، وقد أبطلناه . فبقى أن يقال : كلّ واحد من الاستحقاقين يزول بالآخر دفعة واحدة . لكن هذا محال ، لأنّ علّة عدم كلّ واحد منهما وجود الاخر ، فلو عدما دفعة لوجدا دفعة . لكن العلّة موجودة في حال حدوث المعلول ، فهما موجودان حال كونهما معدومين ، هذا خلف . فهذه وجود دالّة على فساد قولهم بالمحابطة ، ومتى ثبت ذلك ثبت انقطاع العقاب . أقول : لأبى على أن يقول : الحكم في الثواب والعقاب للأخير ، فانّ الكافر العاصي إن أسلم ومات فالاسلام يجبّ ما قبله ، وإن كان مؤمنا وأطاع ثم ارتدّ ومات انحبطت خيراته وصارت لغوا بالاتّفاق . وأمّا في الموازنة فلأبى هاشم أن يقول : الطاعات والمعاصي مثبتة في جرائد الكرام الكاتبين ، وإذا كان كذلك فالطاعات تبطل استحقاق المعاصي ، والمعاصي تبطل استحقاق الطاعات ، ولا يلزم الدور . قال : دليل ثالث : قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » ، وكذا قوله تعالى : « إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ » . وكلمة « عَلى » يقتضي الحال . يقال : رأيت الأمير على أكله ، اى حال أكله . فالآية تقتضى حصول المغفرة حال اشتغال العبد بالظّلم ، وهو يدلّ على حصول المغفرة قبل التّوبة . دليل رابع : أجمع المسلمون على كونه تعالى عفوّا ، والعفو لا يتحقق إلّا عند إسقاط العذاب المستحق . وعند الخصم يزول العقاب على الصّغيرة قبل التوبة ؛ والعقاب على الكبيرة بعدها واجب ، فلا يبقى للعفو معنى إلّا إسقاط العقاب على الكبيرة قبل التوبة . احتجّ الخصم بقوله تعالى : « وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها » ، وبقوله تعالى : « وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ » . والجواب : سنبيّن في أصول الفقه أنّ صيغ العموم ليست قاطعة في الاستغراق ،