خواجه نصير الدين الطوسي
362
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل
والعلماء ذكروا وجوها ثلاثة : الاوّل أن قالوا : إنّ اللّه جلّ ثنائه إن كان خلقنا لنعبده فقد كان يجب أن يبيّن لنا العبادة التي يريدها منّا أنّها ما هي ، وكم هي ، وكيف هي ، فإنه وان وجب أصل الطاعة في العقل ، فكيفيّتها غير معلولة لنا . فبعث اللّه تعالى الرسل لقطع هذا العذر ، فانّهم إذا بيّنوا الشرائع المفصّلة زالت أعذارهم . وثانيها : أن يقولوا : إنّك ركّبتنا تركيب شهوة وغفلة ، وسلّطت علينا الهوى والشهوات ، فهلا أمددتنا يا ألهنا بمن إذا سهونا نبهنا ، وإذا مال بنا الهوى منعنا . ولكنك لمّا تركتنا مع نفوسنا وأهوائنا كان ذلك إغراء لنا على تلك القبائح . وثالثها : أن يقولوا : هب أنّا بعقولنا علمنا حسن الايمان وقبح الكفر ولكن لا نعلم بعقولنا أنّ من فعل القبيح عذّب خالدا مخلّدا في النّار ، لا سيّما وكنّا نعلم أنّ لنا في فعل القبيح لذّة ، وليس لك فيه مضرّة ؛ ولم نعلم أنّ من آمن وعمل صالحا استحق الثواب [ الخالد ] لا سيّما ، وكنّا قد علمنا أنّه لا منفعة لك في شيء فلا جرم لم يكن مجرّد العلم بالحسن والقبح داعيا ولا وازعا . أمّا بعد البعثة اندفعت هذه الأعذار ، فكانت البعثة قطعا له لعذر المعاندين من هذه الوجوه . وأما فائدة بعثهم فيما لا يستقل العقل بدركه فقد ذكروا أمورا : أحدها : العقل لا يدلّ إلّا على الصفات الّتي يحتاج العقل إليها . أمّا السمع والبصر والكلام وسائر الصفات الجزئيّة فلا طريق إليها إلّا السمع . وثانيها : أنّ المكلّف يبقى خائفا فيقول : لو اشتغلت بالطاعة لكنت متصرفا في ملك اللّه تعالى بغير إذنه . ولو لم أشتغل بها فربما أعذّب على ترك الطاعة ، فيبقى في الخوف على التقديرين . وعند البعثة يزول هذا الخوف . وثالثها : أنّه ليس كلّ ما كان قبيحا عندنا كان قبيحا في نفسه ، فانّ النظر إلى وجه الحرّة العجوز الشوهاء قبيح ، [ وإلى وجه الأمة الحسناء ] حسن