خواجه نصير الدين الطوسي
252
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل
والحقّ أنّ الباري تعالى ليس بزمانىّ ، والزمان من مبدعاته ؛ والوهم يقيس ما لا يكون في الزمان على ما في الزمان ، كما مرّ في المكان ، والعقل كما يأبى عن إطلاق التقدّم المكانىّ على الباري كذلك يأبى عن إطلاق التقدّم الزماني عليه ، بل ينبغي أن يقال : إنّ للبارى تعالى تقدّما خارجا عن القسمين ، وإن كان كلّ الموجودات . وزعم : أنّه إنّما امتاز عن الممكنات بقيد سلبىّ ، وهو أنّ وجوده غير عارض لشيء من الماهيّات ، وسائر الموجودات عارضة . لنا : أنّ مخالفته لغيره لو كانت بصفة لحصلت المساواة في الذات . ولو كان كذلك لكان اختصاص ذاته بما به يخالف غيرها إن لم يكن لأمر كان الجائز غنيّا عن السبب وهو محال ، أو لأمر فيلزم التسلسل . أقول : أكثر المعتزلة ذهبوا إلى أنّ جميع الذوات متساوية في الذاتيّة ، لأنّ المفهوم من الذات عندهم هو ما يصحّ أن يعلم ويخبر عنه . والصفة التي تفرّد أبو هاشم باثباتها للّه تعالى دون غيره ، وهي صفة الالهيّة . وأمّا أبو علي بن سينا قال : ماهيّة اللّه تعالى نفس الوجود مقيّدة بلا عروضه لماهيّة . وماهيّات الممكنات معروضات للوجود ، وهي متخالفة ومخالفة لنفس الوجود . فاذن لا يكون بين ماهيّة اللّه وسائر الماهيّات مشاركة بوجه البتة . انّما تكون المشاركة بين ماهيّة اللّه تعالى ووجود الممكنات . لكنّه يقول : الوجود المقول على اللّه تعالى وعلى سائر الموجودات ليس هو بماهيّة لشيء ، لا له ولا لغيره ، بل هو أمر عقلىّ محمول على الوجود الخاصّ باللّه وعلى سائر الموجودات بالتشكيك ، وليس هو بواجب الوجود . وأمّا إلزام التسلسل في حجّته فيمكن أن يدفع بأن يقال : الصفات المختلفة يقتضي طريانها على الذوات المتساوية لأنفسها ، فانّه بيّن جواز اشتراك العلل المختلفة في معلولاتها . وأيضا إذا جاز تعلّق المختار بأحد متساويين من غير ترجّح فهلّا جاز تعلّق الصفة ببعض الذوات المتساوية من غير مرجّح .