الشيخ الطوسي
207
تلخيص الشافي
فأما قوله : « وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ » فلنا في الكلام عليه وجهان : أحدهما - أن ننازع في أن السبق هاهنا هو السبق إلى الاسلام . والآخر - أن نسلم ذلك ، ونبين أنه لا حجة في الآية على ما يدعونه والوجه الأول - بين ، لأن لفظ السابقين في الآية مطلق غير مضاف . ويحتمل ألّا يكون مضافا إلى إظهار الاسلام واتباع النبي صلّى اللّه عليه وآله ، بل يكون المراد به السبق إلى الخيرات والتقدم في فعل الطاعات ، ويكون قوله ( الأولون ) تأكيدا لمعنى السبق ، كما يقولون : فلان سابق في الفضل أول ، وسابق إلى الخيرات سابق ، ويؤكدون باللفظتين المختلفتين وقد قال اللّه تعالى « وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » « 1 » وقال تعالى « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ » « 2 » . فان قيل : إذا كان المراد ما ذكرتم فأي معنى لتخصيص المهاجرين والأنصار ، لولا أنه أراد السبق إلى الاسلام . قلنا : لم يخص المهاجرين والأنصار دون غيرهم ، لأنه تعالى قال « وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ » وهذا عام في الجميع . على أنه لا يمتنع أن يخص المهاجرين والأنصار بحكم هو لغيرهم : اما لفضلهم وعلو شأنهم أو لغير ذلك من الوجوه . واما الوجه الثاني - فالكلام فيه أيضا بين ، لأنه إذا سلم أن المراد بالسبق هو : إلى إظهار الاسلام ، فلا بد من أن يكون مشروطا بالاخلاص في الباطن لأن اللّه تعالى لا يعد بالرضا من اظهر الاسلام ولم يبطنه ، فيجب أن يكون الباطن معتبرا ومدلولا عليه فيمن يدعى دخوله تحت الآية حتى يتناوله الوعد بالرضا
--> ( 1 ) سورة الواقعة : / 10 - 11 ( 2 ) سورة فاطر : / 32