الشيخ الطوسي

158

تلخيص الشافي

« وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ » « 1 » قيل لهم : لا يشبه هذه ما ذكرناه ، لأن أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب ، وان عادته بذلك جارية . وليس هذا بمنزلة من يوسوس إليه الشيطان ولا يطيعه ويزين له القبيح فلا يأتيه . وليس وسوسة الشيطان بعيب على الموسوس له إذا لم يستزله ذلك عن الصواب ، بل هو زيادة في التكليف ، ووجه يتضاعف معه الثواب . وأما قوله : « أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ » قيل : معناه : في قراءته . وقيل : في فكرته على سبيل الخاطر . وأي الأمرين كان ، فلا عار في ذلك على النبي ولا نقص ، وانما العار والنقص على من يطيع الشيطان ويتبع ما يدعو إليه . وليس لأحد أن يقول : هذا إن سلم في جميع الآيات ، لم يسلم في قوله « فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ » لأنه قد خبر عن تأثير غوايته ووسوسته بما كان منهما من القتل . وذلك : إن المعنى الصحيح في هذه الآية : أن آدم وحواء عليهما السلام كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة وترك التناول منها ، ولم يكن ذلك عليهما واجبا لازما ، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يخلون بالواجب ، فوسوس لهما الشيطان حتى تركا المندوب إليه من الامتناع من تناول الشجرة ، وحرما أنفسهما بذلك الثواب ، وسماه اللّه ازلالا ، لأنه حط لهما عن درجة الثواب ، وفعل الأفضل . وقوله تعالى : « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى » لا ينافي هذا التأويل ، لأن المعصية قد يسمى بها من أخل بالواجب والندب معا . وقوله : « فَغَوى » أي : خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما ندب إليه . وعلى أن عند المعتزلة : إن هذه المعصية من آدم كانت صغيرة لم يستحق عليها ذما ولا عقابا فأين هذا من قول من يقول - مخبرا عن نفسه - : بأن الشيطان

--> ( 1 ) سورة الحج / 52