الشيخ الطوسي

216

تلخيص الشافي

وليس لأحد أن يمتنع من التعلق بظاهر قوله : « اخلفني في قومي » بأن يقول : إنه حكاية لكلام موسى عليه السّلام ، وليس هو نفس كلامه ، فكيف يصح التعلق بظاهره ، لأنه - وان لم يكن حكاية للفظ موسى عليه السّلام بصيغته - فهو مفيد لمعنى كلامه ومراده ، فلا بد من أن يكون موسى عليه السّلام أراد بما هذا الكلام عبارة عنه وحكاية له معنى الاستخلاف الذي نعقله ، ونستفيد منه المعنى الذي تقدم ذكره ، لأنه لو لم يكن المراد ما ذكرناه . لم نفهم بحكايته تعالى عن موسى شيئا ، ولساغ لقائل أن يقول في قوله تعالى حكاية عنه : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ، هارُونَ أَخِي ، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي « 1 » أنه لم يرد بسؤاله ما نعقله من معنى الوزارة والشركة بل أراد غير ذلك ، من حيث لم يكن لفظ ( موسى ) بعينه محكيا . فأمّا الاجماع ، فدلالته - أيضا - على ما ذكرناه - ظاهرة ، لأنه لا خلاف بين الأمّة : في أن هارون عليه السّلام كان خليفة لموسى عليه السّلام ونائبا عنه ومطيعا لأمره ونهيه . وظاهر إجماعهم على الاستخلاف والنيابة يقتضي ما تقدم ذكره . فأمّا قوله لهم : إذا كان شريكه في النبوة ، فلا بد من أن يلزمه عند غيبته أن يقوم بأمر قومه ، وان لم يستخلفه - فغلط ظاهر ، لأنه - وان كان شريكا له في النبوة - فلا يمتنع أن يخص « 2 » موسى من دونه بما تقوم به الأئمة من إقامة الحدود ، وما يجري مجراها ، لأن مجرد النبوة لا يقتضي هذه الولاية المخصوصة . وإذا كان هذا جائزا ، لم يجب أن يقوم هارون عليه السّلام عند غيبة أخيه بهذه الأمور لأجل نبوته ، ولم يكن - من الاستخلاف له ، ليقوم بذلك - بدّ ، لأنه لو لم يستخلفه في الابتداء أو استخلف غيره كان جائزا .

--> ( 1 ) طه : 29 - 32 ( 2 ) في نسخة : يختص