محمد المحمدي الگيلاني
42
تكملة شوارق الألهام
والترجيح للمقابل . والحقّ أنّ كل ما تمسّك به الأشعري من الدلائل السمعية للجبر فإنّما هو يفيد نفي التفويض لا إثبات الجبر كما أنّ كل ما تمسّك به المعتزلي من السمع للتفويض فهو يفيد نفي الجبر لا إثبات التفويض ، وكلتا الطائفتين قد ضلّت عن سواء السبيل ، وقد عرفت مقال الجبرية . وأمّا المعتزلة القائلة بالتفويض فقالوا : إنّ اللّه عزّ وجلّ أوجد العباد وأقدرهم على الأفعال وفوّض إليهم الاختيار ، فهم مستقلّون بالإيجاد على وفق مشيّتهم وإرادتهم بحيث ليس للحقّ جلّ شأنه تأثير فيها ، وإنّما شأنه تعالى إيجاد المبادئ فقط ونسبته تعالى إلى العالم نسبته البنّاء إلى البناء فكما أنّ وجود البنّاء وعدمه بعد إيجاد البناء بالنسبة إليه على السواء ، وكذلك وجود البارئ وعدمه - والعياذ باللّه - بالنسبة إلى العالم بعد الإيجاد على السواء تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا . فالقائل بالتفويض يرى أنّه تعالى منعزل عن التأثير كما أنّ القائل بالجبر يرى أنّ الخلق منعزل عن التأثير . وأمّا ضلال الجبريّة فمضافا إلى ما أشار إليه المصنّف ، أنّهم نزّلوا الواجب تعالى عن علوّ مقام وجوبه إلى حضيض جهة الإمكان واستناد الأفعال المتصرّمة والمتغيّرة إليه تعالى على نحو المباشرة وبلا وسط ، ولازمه التصرّم والتغيّر في ذاته وصفاته . وبعبارة أخرى : لو صدر المتغيّرات عنه سبحانه بالمباشرة ومن غير وسط ، يلزم منه التغيّر في ذاته وصفاته ، فصدور المتغيّرات عنه تعالى بالمباشرة مستلزم لكونه حادثا ، فيكون ممكنا هذا خلف . وامّا ضلال المفوّضة ، فلأنّ استقلال موجود في الإيجاد إنّما يعقل إذا سدّ جميع الأعدام الممكنة على المعلول وإلّا لم يكن مستقلا في إيجاده فإذا توقّف وجود المعلول على سدّ ألف أعدام ممكنة فسدّها إلّا واحدا منها ، لم يكن علّة تامّة ومن الأعدام الممكنة على المعلول عدمه بعدم فاعله وليس في منّة « 1 » أيّ فاعل من الفواعل الإمكانية سدّ هذا العدم ، وإلّا انقلب الممكن بالذات إلى الواجب بالذات ، فالمستقلّ في الإيجاد لا بدّ وأن يكون
--> ( 1 ) . المنّة : القوّة .