محمد المحمدي الگيلاني
37
تكملة شوارق الألهام
ثم أقول من رأس في بيان الامتياز بين الإرادتين : إن كان متعلّق الإرادة أمورا عينيّة ، فهي إرادة تكوينيّة لا تتخلّف عن المراد ، وإن كان أمورا وهميّة قانونيّة لا وجود لها إلّا في ظرف الاعتبار مثل الأحكام الموضوعة من التكليفيّة والوضعيّة ، فهي إرادة تشريعيّة قانونيّة لا وجود لها إلّا في حوزة الاعتبار ، وأزمّة إيجاد متعلّقات الأحكام والمرادات بأيدي العباد المكلّفين وفي اختيارهم ، فإن دانوا لها واعتنقوها عملا كانوا طائعين ، فلهم الثواب ، وإن أدبروا واستكبروا ، صاروا عاصين ، فعليهم العقاب ، فالمغالطة من باب اشتراك الاسم . قول المصنّف قدّس سرّه : « العلم تابع للمعلوم » إشارة إلى مشاغبة أخرى للأشاعرة وذلك أنّهم احتجّوا على كون أفعال العباد اضطراريّة ، بأنّ اللّه تعالى عالم في الأزل بصدور الأفعال عن العباد فيمتنع عدم الصدور فيجب الصدور عنهم ؛ طبقا بل تبعا لعلمه تعالى تبعيّة المعلول للعلّة ، وإلّا لزم التخلّف ، فتكون أعمالهم مخلوقة له تعالى ، وهو قوله سبحانه : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . * « 1 » والجواب : أنّ العلم - كما سبق في الفصل الخامس من المقصد الثاني من الكتاب - تابع للمعلوم ؛ حيث إنّ علمه الأزلي بصدور الأفعال عن العباد قد تعلّق بها بما لها من المبادئ ومنها الاختيار . وبعبارة أخرى : إنّما تعلّق علمه تعالى بالنظام الكوني على الترتيب العلّي والمعلولي ، ولم يتعلّق بالعلّة في عرض المعلول ولا بالمعلول بلا وسط ، حتى يقال : إنّ العبد الفاعل مضطرّ في فعله ؛ فإنّه - سبحانه وتعالى - علم في الأزل بصدور الفعل من العبد بما له من الأوساط والأسباب ، وأبى اللّه تعالى أن يجري الأمور إلّا بأسبابها ، فعلمه تعالى تعلّق بالنظام الأحسن على الترتيب المذكور ، فليس ولا يكون علمه - عزّ وجلّ - علّة لفعل العبد بلا وسطية اختياره ، فلا ينافي علمه الأزليّ كون الإنسان فاعلا مختارا : « علم أزلي علت عصيان نبود » . ومعنى كون العلم تابعا للمعلوم هنا ليس بمعنى التأخّر بل المراد أصالة الموازنة في التطابق نعني به أنّ كلّ واحد منهما موازن بالآخر والأصل في هذا التطابق هو المعلوم وشأن
--> ( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 16 ؛ الزمر ( 39 ) : 62 .