محمد المحمدي الگيلاني

27

تكملة شوارق الألهام

الشارع ، فمنها ما هو حسن في نفسه ، ومنها ما هو قبيح في نفسه ، فهما عقليّان ؛ فإنّ كلّ عاقل يحكم بحسن الإحسان بالضرورة وبقبح العدوان والظلم بالضرورة وهذا حكم لا يقبل الارتياب ، وليس مستفادا من بيان الشرع ؛ لحكم البراهمة والملاحدة بذلك من غير اعتراف منهم بالنبوة والشرع ، وهذا مراد المصنّف رحمه اللّه بقوله : « وهما عقليان ؛ للعلم بحسن الإحسان وقبح الظلم من غير شرع » . وقوله قدّس سرّه : « ولانتفائهما مطلقا لو ثبتا شرعا » دليل ثان للعدليّة على استقلال العقل بالحكم بحسن الأفعال وقبحها . وبيان ذلك أنّهما لو ثبتا شرعا ، يلزم عدم ثبوتهما مطلقا لا شرعا ولا عقلا ، وما يلزم من ثبوته عدمه ممتنع بالضرورة ؛ فالتالي باطل بالضرورة ، فالمقدّم مثله . بيان الملازمة أنّه على تقدير عدم كونهما عقليّين لم ندرك قبح الكذب مثلا فجاز وقوعه من النّبي - والعياذ باللّه - فإذا أخبرنا بأنّ الكذب قبيح ، لا يقبل منه ؛ لجواز كذبه في إخباره بأنّه قبيح فلزم من القول بثبوته شرعا عدم ثبوته ، وأيضا لا يثبت نبوّته وإن جرت المعجزات على يديه ؛ حيث لا يكون خلاف الحكمة على اللّه سبحانه بقبيح ، تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله قدّس سرّه : « ولجاز التعاكس » دليل ثالث للعدلية ، تقريره أنّه لو لم يكن الحسن والقبح عقليّين ، لجاز أن يكون قتل الأولياء والمؤمنين حسنا وإغاثة الملهوفين قبيحة وبداهة بطلانه كالنار على المنار . وقوله قدّس سرّه : « ويجوز التفاوت في العلوم ؛ لتفاوت التّصور » شروع في الجواب عن أدلّة الأشاعرة على أنّ الحسن والقبح ليسا عقليّين وتقرير الدليل الأوّل أنّ الحسن والقبح لو كان العلم بهما ضروريّا ، لكان مثل العلم بكون الكلّ أعظم من الجزء ، والتالي باطل بالوجدان ؛ فإنّ الكذب قد يحسن وذلك إذا تضمّن إنقاذ نبيّ من الهلاك ، والصدق قد يقبح إذا تضمّن إهلاك نبيّ . والجواب : أنّه قد يتفاوت الضروريّات حتى الأوّليات منها بسبب الغلط في تصوّر أطرافها فمن ذلك ما وقع في قولهم : « الوجود موجود » فإنّ بعض « 1 » أرباب البراهين اشتبه

--> ( 1 ) . المراد من البعض هو الشيخ السهروردي ، راجع حكمة الإشراق ، ص 65 و 66 ؛ التلويحات ، ص 22 ؛ الحكمة المتعالية ، ج 1 ، ص 39 .