محمد المحمدي الگيلاني
18
تكملة شوارق الألهام
الأوّل بملاحظة كونها جوابا للأمر : « أرني » فيكفي في الاستدلال على المطلوب قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . « 1 » فإنّه يكاد أن يكون محكما في أنّه تعالى يرى يوم القيامة ، وإليه يومئ ما روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد ما سألوه : « هل نرى ربّنا يوم القيامة ؟ » فأجابهم : « إنّكم سترون ربّكم كما ترون الشمس والقمر » « 2 » . وقد تديّن بذلك أهل الحديث والسنة . قال الشيخ الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين في ضمن حكاية ما عليه أصحاب الحديث والسنّة على سبيل الإجمال : « جملة ما عليه أهل الحديث والسنّة : الإقرار باللّه - إلى أن قال - : ويقولون : إنّ اللّه - سبحانه - يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنّهم عن اللّه محجوبون . . . » . « 3 » وأجاب المصنّف رحمه اللّه عن ذلك بأنّ النظر - وإن كان مقرونا بحرف « إلى » - لا يدلّ على الرؤية ؛ لاستعماله في غير الرؤية كثيرا ، وبعد ما أقيم البرهان على استحالة رؤية اللّه بالأبصار ، وصدّقه القرآن بقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ « 4 » فهذا هو المحكم الصريح في امتناع رؤيته بحاسّة البصر مع برهانه في قوله : وَهُوَ اللَّطِيفُ فلا بدّ أن يحمل النظر على رؤية القلوب وهو التأويل الصحيح كما في صحيح البزنطي عن الصادق عليه السّلام قال : « جاء حبر إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ! هل رأيت ربّك حين عبدته ؟ قال : فقال : « ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره . قال : وكيف رأيته ؟ قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » . « 5 » الوجه الثالث : أنّه تعالى علّق الرؤية على استقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه والمعلّق على الممكن ممكن ؛ لأنّ معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلّق ، عند وقوع المعلّق عليه .
--> ( 1 ) . القيامة ( 75 ) : 23 - 24 . ( 2 ) . الموجود في الجوامع الروائية : « . . . كما ترون القمر ليلة القدر » أو « هذا القمر » . انظر صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 203 ، ح 529 ؛ المسند لأحمد بن حنبل ، ج 7 ، ص 62 ، ح 19211 ؛ بحار الأنوار ، ج 91 ، ص 251 . ( 3 ) . مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين ، ج 1 ، ص 321 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 103 . ( 5 ) . الأصول من الكافي ، ج 1 ، ص 97 - 98 .