القرطبي

82

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يكون الخلائق يوم القيامة مائة وعشرين صفا ، طول كل صفّ مسيرة أربعين ألف سنة ، وعرض كل صف عشرون ألف سنة . قيل له : يا رسول اللّه ؛ كم المؤمنون ؟ قال : ثلاثة صفوف . قيل له : والمشركون ؟ قال : مائة وسبعة عشر صفا . قيل له : فما صفة المؤمنين من الكافرين ؟ قال : المؤمنون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود » . ذكر هذا الخبر القتبي في « عيون الأخبار » له ، وهو غريب جدا ، مخالف لصفوف المؤمنين الوارد في الأحاديث . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدّثنا ابن نمير ، قال : حدّثني موسى الجهني ، عن الشعبي ، قال : سمعته يقول : قال نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟ » قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : « فيسركم أن تكونوا نصف أهل الجنة » قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : « إن أمتي يوم القيامة ثلثا أهل الجنة ، إن الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف ، وإن أمتي من ذلك ثمانون صفا » . ورواه مرفوعا عن عبد اللّه بن مسعود ، وفيه : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف ، أنتم منها ثمانون صفا » . في إسناده الحارث بن حضيرة ضعيف ، ضعّفه مسلم في صدر كتابه . وخرّج ابن ماجة والترمذي ، عن بريدة بن حصيب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أهل الجنة عشرون ومائة صف ، ثمانون منها من هذه الأمة ، وأربعون من سائر الأمم » « 1 » قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . فصل تقدم من حديث عبد اللّه بن عمرو ، وفيه : ثم يقول : « أخرجوا بعث النار » . وفي هذا يقال لآدم : « أخرج بعث النار » . فقيل : إن آدم لما أمر أولا بالإخراج ، أمر هو والملائكة أن يخرجوا ويميّزوا أهل الجنة وأهل النار ، واللّه أعلم . وقول الصحابة رضوان اللّه عليهم : « أينا ذلك الرجل ؟ » يريدون : من الواحد الذي لا يدخل النار ، توهّما منهم أن القضية واردة فيهم . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم رجلا » . وأطلق لفظ البشارة وبيّن أن الألف كلها في النار ، لكن من غير هذه الأمة المحمدية ، ومن هذه الأمة واحد في الجنة على ما يقتضيه ظاهر هذا اللفظ ، وإذا كان كذلك استغرق العدد جميع أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكانوا في الجنة أو أكثرهم ، لأن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه ، على ما يأتي بيانه من ذكرهم في آخر الكتاب - إن شاء اللّه تعالى - واللّه أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 5 / 347 ، 355 ) والترمذي ( 2546 ) وابن ماجة ( 4289 ) وغيرهم ، وصحّحه الألباني في تخريج « المشكاة » ( 3 / 1569 / 5644 ) .