القرطبي

8

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

هذا حديث غريب من حديث جابر الجعفي وقتادة ، وتفرد به قتادة عن جابر عن ابن عباس عن مجاعة بن الزبير . وروى الحسن بن علي رضوان اللّه عليهما قال : قال لي جدّي صلى اللّه عليه وسلم : « يا بنيّ عليك بالقناعة تكن أغنى الناس ، وأد الفرائض تكن أعبد الناس ، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى ، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ، يصب عليهم الأجر صبا . وقرأ صلى اللّه عليه وسلم : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] » « 1 » ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب « روضة المشتاق » . فصل فإن قيل : أما وزن أعمال المؤمنين فظاهر وجهه فتقابل الحسنات بالسيئات ، فتوجد حقيقة الوزن ، والكافر لا يكون له حسنات ؛ فما الذي يقابل بكفره وسيئاته ، وأنى يتحقق في أعماله الوزن ؟ فالجواب : إن ذلك على وجهين ؛ أحدهما : أن الكافر يحضر له ميزان فيوضع كفره أو كفره وسيئاته في إحدى كفيته ثم يقال له : هل من طاعة تضعها في الكفة الأخرى ؟ فلا يجدها ؛ فيشال الميزان ، فترتفع الكفة الفارغة ، وتقع الكفة المشغولة ، فذلك خفة ميزانه . وهذا ظاهر الآية ، لأن اللّه تعالى وصف الميزان بالخفة لا الموزون ، وإذا كان فارغا فهو خفيف . والوجه الآخر : أن الكافر يكون منه صلة الأرحام ، ومواساة الناس ، وعتق المملوك ، ونحوها مما لو كانت من المسلم لكانت قربة وطاعة ، فمن كانت له مثل هذه الخيرات من الكفار ، فإنها تجمع وتوضع في ميزانه ، غير أن الكفر إذا قابلها بها رجح بها ، ولم يخل من أن يكون الجانب الذي فيه الخيرات من ميزانه خفيفا ، ولو لم يكن له إلا خير واحد أو حسنة واحدة لأحضرت ووزنت كما ذكرنا . فإن قيل : لو احتسبت خيراته حتى يوزن لجوزي بها جزاء مثلها ، وليس له منها جزاء ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن عبد اللّه بن جدعان ، وقيل له : « إنه كان يقري الضيف ، ويصل الرحم ، ويعين في النوائب » فهل ينفعه ذلك ؟ فقال : « لا لأنه لم يقل يوما « ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين » « 2 » وسأله عدي بن حاتم عن أبيه مثل ذلك ، فقال : « إن أباك طلب أمرا فأدركه » - يعني الذكر « 3 » - فدل أن الخيرات من

--> ( 1 ) انظره في « تنزيه الشريعة » لابن عراق الكناني ( 2 / 355 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 214 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 4 / 258 ، 379 ) والطبراني في « الكبير » ( 17 / رقم 222 ) بإسناد حسن .