القرطبي
70
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
قال الأزهري : الأبله في كلامهم على وجوه : يقولون : عيش أبله ؛ إذا كان ناعما ، ومنه أخذ بلهنيّة العيش . قال بعضهم : وطالما عشت في بلهنية . والأبله : الذي لا عقل له ، والأبله : الذي طبع على الخير ، وهو غافل عن الشر لا يعرفه ، وقال : هذا هو المراد بالحديث . وقال العتبي : البله : هم الذين غلب عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس . وأنشد : ولقد لهوت بطفلة ميالة * بلهاء تطلعني على أسرارها يعني : أنه أغرّ لا دهاء فيها . قلت : ونظير ما ذكرناه وما قاله هؤلاء الأئمة من الكتاب قوله تعالى : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : 89 ] وقوله عليه السلام وقد سئل أي الناس أفضل ؟ قال : « الصادق اللسان المخموم القلب » قالوا : أما الصادق اللسان فقد عرفناه . أنه ذلك ، فما المخموم القلب ؟ قال : « النقي الذي لا غلّ فيه ولا حسد » ذكره أبو عبيدة « 1 » . والعرب تقول : خممت البيت أي كنسته ، ومنه سميت الخمامة وهي مثل القمامة والكناسة . وقال بعض العلماء في البله وجها آخر لطيفا ؛ وهو أنهم سمّوا بذلك لقصورهم عن كمال المعرفة بحق اللّه تعالى ، ورؤية استحقاقه العبادة ، وإيثار طلبه والشغف بحبه وخدمته ، وطلب رضاه الذي هو جنة الخلد ، إذا وقفوا بخواطرهم على الجنة نعيمها ، وعبدوه وأطاعوه في نيل درجاتها ولذاتها ، غافلين عن مراقبة جلاله وملاحظة كماله ، بعكوف هممهم على نيل نعمه وأفضاله ، فهم بله أيضا بالإضافة إلى العقلاء عن اللّه عز وجل ، ذوي الألباب المقبلة على مشاهدة عظمة اللّه تعالى ، المتوجهين بكليتهم إليه المشغولين به عما لديه ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في سياق قوله : « أكثر أهل الجنة البله وعليّون لأولي الألباب » . وفي الخبر : أن طائفة من العقلاء باللّه عز وجل تزفّهم الملائكة إلى الجنة ، والناس في الحساب ، فيقولون للملائكة : إلى أين تحملوننا ؟ فيقولون : إلى الجنة . فيقولون : إنكم لتحملونا إلى غير بغيتنا . فتقول لهم الملائكة : وما بغيتكم ؟ فيقولون : المقعد الصدق مع الحبيب ، كما أخبر : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] ولعل من هذا القبيل من يسأل اللّه الجنة إلا أن سؤاله إياها لا لها ، بل موافقة لمولاه ، لما علم أنه
--> ( 1 ) في « غريب الحديث » ( 3 / 118 ) ، وأخرجه ابن ماجة ( 4216 ) ، وهو في « السلسلة الصحيحة » رقم ( 948 ) .