القرطبي

64

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

المسدد لفعل الخيرات ، ورقيق القلب : لينه عند التذكر والموعظة ، ويصلح أن يكون بمعنى الشقيق . وقوله : « ضعيف متضعف » يعني : ضعيف في أمور الدنيا ، قوي في أمر دينه ، كما قال عليه السلام : « المؤمن القويّ أحبّ إلى اللّه من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير » الحديث خرّجه مسلم « 1 » . أمّا من كان ضعيفا في أمور دينه لا يعنى بها فمذموم ، وذلك من صفات أهل النار . كما قال : « وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له » أي : لا عقل له ، ومن لا عقل له ينفك به عن المفاسد ولا ينزجر به عنها ، فحسبك به ضعفا وخسارة في الدين ، وقد قيل في الزبر : إنه المال وليس بشيء لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم فسّر ذلك بقوله : « الذين هم فيكم تبع لا يتبعون أهلا ولا مالا » . قال شيخنا أبو العباس رضي اللّه عنه : « فيعني أن هؤلاء [ القوم ] « 2 » ضعفاء العقول ، فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية ، ولا فضيلة نفسية ولا دينية ، بل يهملون أنفسهم إهمال الأنعام ، ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام ، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنيئة « 3 » هي أوصاف هذه الطائفة المسماة بالقلندرية » « 4 » . وقد قال : مطرف بن عبد اللّه بن الشّخّير راوي الحديث : « واللّه لقد أدركتهم في الجاهلية ، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطاولها » . و « يخفى » بمعنى : يظهر وهو من الأضداد . وقوله : « وذكر البخل والكذب » هكذا الراوية المشهورة بالواو الجامعة ، والكذب . وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبراني « بأو » التي للشك ، قاله القاضي عياض ، ولعله الصواب ، وبه تصحّ القسمة ، لأنه ذكر أن أصحاب النار خمسة : الضعيف الذي وصفه ، والخائن الذي وصف ، والرجل المخادع الذي وصف . قال : وذكر البخل والكذب ثم ذكر الشنظير والفحاش فرأى هذا القائل أن الرابع هو أحد الصنفين ، وقد يحتمل أن يكون الرابع قد جمعهما على رواية واو العطف كما جمعهما في الشنظير الفحاش . وقوله : « أهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم ، وعفيف متعفف ذو عيال » .

--> ( 1 ) في « صحيحه » ( 2664 ) . ( 2 ) زيادة من « المفهم » . ( 3 ) في جميع الأصول المطبوعة التي بين يدي : « الذاتية » ، والصواب ما أثبته من « المفهم » . ( 4 ) « المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم » ( 7 / 166 ) .