القرطبي
49
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
سوى الشهادة التي هي شهادة الحق ، التي هي الإيمان باللّه تعالى ، كما قرّرناه ، فشفاعة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والملائكة والنبيين والمؤمنين لمن كان له عمل زائد على مجرد التصديق ، ومن لم يكن معه من الإيمان خير كان من الذين يتفضّل اللّه عليهم فيخرجهم من النار فضلا وكرما ، وعدا منه حقا ، وكلمة صدقا . إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] فسبحان الرؤوف بعباده الموفي بعهده . فصل قلت : جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال : « فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم » . وفي حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : « يكتب على جباههم عتقاء الرحمن » ، وهذا تعارض . ووجه الجمع بين الحديثين أن يكون بعضهم سيماهم في وجوههم ، وبعضهم سيماهم في رقابهم ، وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري وفيه بعد إخراج الشافعين ، ثم يقول تبارك وتعالى : « أنا اللّه أخرج بعلمي ورحمتي ، فيخرج أضعاف ما خرجوا وأضعافهم ، ويكتب في رقابهم عتقاء اللّه عز وجل ، فيدخلون الجنة ، فيسمون فيها بالجهنميين » . قلت : وقد يعبّر بالرقبة عن جملة الشخص ، قال اللّه تعالى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ النساء : 92 ] ، وقال عليه السلام : « ولم ينس حقّ اللّه في رقابها ولا ظهورها » . وقد تعبر العرب بالرقاب عن جملة المال ، قال الشاعر : غمر الرداء إذا تبسّم ضاحكا * علقت لضحكته رقاب المال فيحتمل أن يكون المعنى في حديث أبي سعيد وجابر رضي اللّه عنهما : فيخرجون مثل اللؤلؤ يعرف أهل الجنة أشخاصهم بالخواتيم المكتوبة على جباههم ، كما في حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ، ولا تعارض على هذا ، واللّه أعلم . فصل إن قال قائل : لم سألوا محو ذلك الاسم عنهم وهو اسم شريف ، لأنه سبحانه أضافه إليه كما أضاف الأسماء الشريفة ، فقال : نبيي وبيتي وعرشي وملائكتي ، وقد جاء في الخبر : أن المتحابين في اللّه مكتوب على جباههم : هؤلاء المتحابون في اللّه ، ولم يسألوا محوه ؟ قيل : إنما سألوا محو ذلك بخلاف المتحابين في اللّه تعالى ؛ لأنهم أنفوا أن ينسبوا إلى جهنم التي هي دار الأعداء ، واستحيوا من إخوانهم لأجل ذلك ، فلما منّ عليهم بدخول الجنة أرادوا كمال الامتنان بزوال هذه النسبة عنهم . وقد روي