القرطبي
42
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
يشفع للفئام ، ومنهم من يشفع للقبيلة ، ومنهم من يشفع للعصبة ، ومنهم من يشفع للرجل ، حتى يدخلوا الجنة » « 1 » . قال حديث حسن . وذكر البزار في « مسنده » عن ثابت : أنه سمع أنس بن مالك يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة » « 2 » . وذكر القاضي عياض في « الشفا » عن كعب : إن لكل رجل من الصحابة رضي اللّه عنهم شفاعة . ذكر ابن المبارك ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ؛ أنه بلغه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يكون في أمتي رجل يقال له : صلة بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا » « 3 » . فصل إن قال قائل كيف تكون الشفاعة لمن دخل النار واللّه تعالى يقول : إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [ آل عمران : 192 ] وقال : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] وقال : * وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [ النجم : 26 ] ، ومن ارتضاه اللّه لا يخزيه ، قال اللّه تعالى : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [ التحريم : 8 ] الآية . قلنا : هذا مذهب أهل الوعيد الذين ضلوا عن الطريق ، وجادوا عن التحقيق . وأما مذهب أهل السنة الذين جمعوا بين الكتاب والسنة ؛ فإن الشفاعة تنفع العصاة من أهل الملة ، حتى لا يبقى منهم أحد إلّا دخل الجنة . والجواب عن الآية الأولى ما قاله أنس بن مالك رضي اللّه عنه أنّ معنى مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ [ آل عمران : 192 ] : من يخلد . وقال قتادة : يدخل مقلوب يخلد ، ولا تقول كما قال أهل حروراء ، فيكون في قوله على هذا فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [ آل عمران : 192 ] على بابه من الهلاك ، أي : أهلكته وأبعدته ومقته ، وبهذا قال سعيد بن المسيب . فإن الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار ، دليله قوله في آخر الآية وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [ آل عمران : 192 ] أي : الكفار .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2440 ) ، وضعّفه الألباني . ( 2 ) أخرجه البزار ( 4 / 173 / 3473 ) - كشف الأستار - بإسناد صحيح . ( 3 ) أخرجه ابن المبارك في « الزهد » برقم ( 864 ) وابن سعد في « الطبقات » ( 7 / 134 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 2 / 241 ) .