القرطبي
394
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وقوله : « يا عباد اللّه فاثبتوا » ، يعني : على الإسلام ، يحذرهم من فتنته لأنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت . وقوله : « فاقدروا له قدره » ؛ قال القاضي عياض : هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع ، ولو وكلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عن الأوقات المعروفة في غيره من الأيام . قلت : وكذلك الأيام القصار الحكم فيها أيضا ما حكمه صاحب الشرع . وقد حمل بعض العلماء أن هذه الأيام الطوال ليست على ظاهرها ، وإنما هي محمولة على المعنى ، أي : يهجم عليكم غم عظيم لشدة البلاء وأيام البلاء طوال ، ثم يتناقص ذلك الغم في اليوم الثاني ثم يتناقص في اليوم الثالث ، ثم يعتاد البلاء كما يقول الرجل : اليوم عندي سنة ومنه قولهم : وليل المحبّ بلا آخر وقال آخر : وأيام لنا غرّ طوال * عصينا الملك فيها أن ندينا وهذا القول يرده قولهم : « أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة ؟ قال : لا ، اقدروا له قدره » . والمعنى : قدروا الأوقات للصلوات ، وكذلك لا التفات لطعنه في صحة هذه الألفاظ ، أعني قوله : « أتكفينا فيه صلاة يوم قال : لا ، اقدروا له قدره » ، فقال : هذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف علينا ، ولو كان صحيحا لاشتهر على ألسنة الرواة كحديث الدجال ، ولو كان لقوة اشتهاره لكان أعظم وأفظع من طلوع الشمس من مغربها . والجواب : أن هذه الألفاظ صحيحة حسب ما ذكره مسلم وحسبك به إماما ، وقد ذكرها الترمذي من حديث النواس أيضا وقال : حديث حسن صحيح ، وخرجها أبو داود أيضا وابن ماجة من حديث أبي أمامة ، وقاسم بن أصبغ من حديث جابر ، وهؤلاء أئمة أجلة من أئمة أهل الحديث ، وتطرق إدخال المخالفين الدسائس على أهل العلم والتحرز ، والثقة بعيد لا يتلفت إليه ، لأن يؤدي إلى القدح في أخبار الآحاد ، ثم إن ذلك في زمن خرق العادات ، وهذا منها . وقوله : « ممحلين » أي : مجدبين ، ويروى : أزلين ، والمحل والأزل والقحط والجدب بمعنى واحد ويعاسيب النحل فحولها ، واحدها يعسوب ، وقيل : أمراؤها . ووجه التشبيه أن يعاسيب النحل يتبع كل واحد منهم طائفة من النحل فتراها جماعات في تفرقة ، فالكنوز تتبع الدجال كذلك .