القرطبي

382

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وعن النواس بن سمعان الكلابي قال : ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع ، حتى ظنناه في طائفة النخل فقال : « ما غير الدجال أخوفني عليكم ، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم ، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه ، واللّه خليفتي على كل مسلم . إنه شاب قطط ، عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن ، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف . إنه خارج خلّة بين الشام والعراق فعاث يمينا وشمالا ، يا عباد اللّه فاثبتوا » قلنا : يا رسول اللّه ؛ وما لبثه في الأرض ؟ قال : « أربعون يوما ؛ يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم » فقلنا : يا رسول اللّه ؛ فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : « لا ، اقدروا له قدره » قلنا : يا رسول اللّه ؛ وما إسراعه في الأرض ؟ قال : « كالغيث استدبرته الريح ، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له قال : فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر ، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله ، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ، ويمر بالخربة فيقول لها : أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ، ثم يدعوه فيقبل يتهلل وجهه يضحك ، فبينا هو كذلك إذ بعث اللّه المسيح ابن مريم فنزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهروذتين واضعا كفّيه على أجنحة ملكين ، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدّر منه جمان كاللؤلؤ ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه ، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ، ثم يأتي عيسى عليه السلام قوم قد عصمهم اللّه منه فيمسح على وجوههم ويحدّثهم بدرجاتهم في الجنة ، فبينما هو كذلك إذ أوحى اللّه إلى عيسى عليه السلام إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرّز عبادي إلى الطور ، ويبعث اللّه يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ، ويمر آخرهم ، فيقولون : لقد كان بهذه مرة ماء ، ويحضر نبي اللّه عيسى وأصحابه ، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم ، فيرغب نبي اللّه عيسى وأصحابه فيرسل اللّه النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ، ثم يهبط نبي اللّه عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ، فيرغب عيسى وأصحابه فيرسل اللّه طيرا كعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء اللّه ، ثم يرسل اللّه مطرا لا يكون منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة ، ثم يقال للأرض : أنبتي ثمرتك وردّي بركتك ، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ، ويبارك اللّه في الرسل - أي اللبن - حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس ، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة