القرطبي

363

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وخرجه الترمذي ، عن جبير بن نفير ، عن أبي الدرداء قال : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ، ثم قال : « هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا على شيء منه » فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا ونحن قد قرأنا القرآن ؟ فو اللّه لنقرأه ولنقرئه نساءنا وأبناءنا ، فقال : « ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة ، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فما ذا تغني عنهم » ؟ قال جبير : فلقيت عبادة بن الصامت ، فقلت : ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء ؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء ، قال : صدق أبو الدرداء ، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس : الخشوع ؛ يوشك أن يدخل الرجل مسجد جماعة فلا يرى فيه رجلا خاشعا « 1 » . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث ، ولا أعلم أحدا تكلّم فيه غير يحيى بن سعيد القطان . وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . قال المؤلف رحمه اللّه : خرجه بهذا الإسناد الحافظ أبو محمد عبد الغني ، فقال : حدّثنا عبد اللّه بن جعفر بن الورد ، قال : حدّثنا يحيى بن أيوب ، حدّثنا يحيى بن بكير ، قال حدّثنا الليث ، قال : حدّثني إبراهيم بن أبي عبلة ، عن الوليد بن عبد الرحمن ، عن جبير بن نفير ، قال : حدّثني عوف بن مالك الأشجعي ، قال : نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السماء يوما ، وقال : « هذا أوان رفع العلم » فقال له رجل من الأنصار ، يقال له زياد بن لبيد : يا رسول اللّه ؛ وكيف يرفع العلم وقد كتب في الكتب ووعته الصدور ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة » وذكر اليهود والنصارى وضلالتهم على ما في أيديهم من كتاب اللّه ، فذكرت ذلك لشداد بن أوس فقال : صدق عوف بن مالك . ألا أخبرك بأول ذلك : يرفع الخشوع حتى لا ترى رجلا خاشعا . ذكره في باب تقييد الحديث بالكتابة ، وهو حديث حسن . قلت ؛ وقد ذكرناه في مسند زياد بن لبيد بإسناد صحيح ، على ما ذكره ابن ماجة ، وهو يبين لك ما ذكرناه من أن المقصود برفع العلم العمل به كما قال عبد اللّه ابن مسعود : « ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف ولكن إقامة حدوده » ثم بعد رفع العمل بالعلم يرفع الرّقم والكتابة ، ولا يبقى في الأرض من القرآن آية تتلى ، على ما يأتي في الباب بعد هذا . وقد خرّج الدارقطني وابن ماجة ، من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2654 ) ، وضعّفه الألباني .