القرطبي

344

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وقوله : « ويتقارب الزمان » قيل : المعنى يتقارب أحوال أهله في قلة الدين ، حتى لا يكون فيهم من يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ، كما هو اليوم لغلبة الفسق وظهور أهله . وفي الحديث : « لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا ، فإذا تساووا هلكوا » . يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف اللّه عز وجل يلجأ إليهم عند الشدائد ويستشفى بآرائهم ويتبرك بدعائهم وآثارهم وقيل غير هذا ، حسب ما تقدم في باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه . وقوله : « حتى يكثر فيكم المال فيفيض وحتى يهم رب المال من يقبل صدقته » هذا مما لم يقع ، بل يكون ، على ما يأتي وربّ مفعول يهم ، ومن يقبل فاعل يهم ، يقال : أهمّني ذلك الأمر : أحزنني وأقلقني ، وهمه يهمه ؛ إذا بالغ في ذلك . وقوله : « حتى يتطاول الناس في البنيان » هذا مشاهد في الوجود مشاهدته تغني عن الكلام فيه . وقوله : « حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول : يا ليتني مكانه » ذلك لما يرى من عظيم البلاء ، وربح الأعداء ، وغبن الأولياء ، ورئاسة الجهلاء ، وحمول العلماء ، واستيلاء الباطل في الأحكام ، وعموم الظلم والجهر بالمعاصي ، واستيلاء الحرام على أموال الخلق ، والتحكم في الأبدان والأموال والأعراض بغير حق ، كما في هذا الزمان ، وقد تقدم أول الكتاب حديث أبي عيسى الغفاري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بادروا بالأعمال ستا » . الحديث . وروى الأعمش سليمان بن مهران ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي نضرة ، عن عبد اللّه بن الصامت قال : قال أبو ذر رضي اللّه عنه : يوشك أن يأتي على الناس زمان يغبط فيه خفيف الحاذ كما يغبط اليوم أبو عشرة ، ويغبط الرجل باختفائه عن السلطان وجفائه عنه كما يغبط اليوم بمعرفته إياه وكرامته عليه ، وحتى تمر الجنازة في السوق على الجماعة فينظر إليها الرجل تهتز بهذا رأسه ، فيقول : يا ليتني مكان هذا . قال : قلت : يا أبا ذر ؛ وإن ذلك من أمر عظيم ؟ قال : أجل يا ابن أخي ؛ عظيم عظيم . قلت : هذا هو ذلك الزمان الذي قد استولى فيه الباطل على الحق ، وتغلّب فيه العبيد على الأحرار من الخلق ، فباعوا الأحكام ورضي بذلك منهم الحكام ، فصار الحكم مكسا والحق عكسا ، لا يوصل إليه ولا يقدر عليه ، بدّلوا دين اللّه وغيروا حكم اللّه ، سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و الظَّالِمُونَ و الْفاسِقُونَ في الكفار خاصة كلها ، وقيل : عامة فيمن بدل حكم اللّه وغيّره . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع حتى لو