القرطبي
320
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وكانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا لذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ، ويقال لها : حرة زهرة ، وكانت الوقعة بموضع يعرف بواقم على ميل من مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين ، وهم ألف وسبعمائة ، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان ، وقتل بها من حملة القرآن سبعمائة رجل من قريش ، وسبعة وتسعون قتلوا جهرا ظلما في الحرب وصبرا . وقال الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم في المرتبة الرابعة : وجالت الخيل في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبالت وراثت بين القبر والمنبر ، أدام اللّه تشريفها ، وأكره الناس على أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق ، وذكر له يزيد بن عبد اللّه ابن زمعة البيعة على حكم القرآن والسنة ، فأمر بقتله فضربت عنقه صبرا . وذكر الأخباريون أنها خلت من أهلها وبقيت ثمارها لعوافي الطير والسباع ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم ، ثم تراجع الناس إليها وفي حال خلوّها غدت الكلاب على سواري المسجد ، واللّه أعلم . وذكر أبو زيد عمر بن شبة قال : حدثنا صفوان ، عن شريح بن عبيد ، أنه قرأ كتابا بالكعبة : « ليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذللة وحتى تبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء ، وحتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء » . وأما قوله في الراعيين : « حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجهيهما » فقيل : سقطا ميتين . قال علماؤنا : وهذا إنما يكون في آخر الزمان وعند انقراض الدنيا ، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث « آخر من يحشر راعيان من مزينة » . قيل : معناه آخر من يموت فيحشر ، لأن الحشر بعد الموت ، ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخر موتهما . قال الداودي أبو جعفر أحمد بن نصر في « شرح البخاري » له : وقوله في الراعيين ينعقان بغنمهما ؛ يعني يطلبان الكلأ . وقوله : « وحشا » : يعني خالية ، وقوله : « ثنية الوداع » يعني : موضعا قريبا من المدينة مما يلي مكة . وقوله : « خرا على وجهيهما » يعني : أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى ، وهو الموت . وقوله : « آخر من يحشر » ؛ يعني أنهما بأقصى المدينة ، فيكونان في أثر من يبعث منها ، ليس أن بعض الناس يخرج بعد بعض من الأجداث إلا بالشيء المتقارب ، يقول اللّه تعالى : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [ يس : 29 ] فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] .