القرطبي
319
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
فصل وأما قوله : « من أراد أهل المدينة بسوء » ؛ فذلك محمول على زمانه وحياته ، كما في الحديث الآخر : « لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف اللّه فيها خيرا منه » وقد خرج منها بعد موته صلى اللّه عليه وسلم من الصحابة من لم يعوضها اللّه خيرا منه ، فدل على أن ذلك محمول على حياته ، فإن اللّه تعالى كان يعوض أبدا رسول صلى اللّه عليه وسلم خيرا ممن رغب عنه وهذا واضح ، ويحتمل أن يكون قوله : « أذابه اللّه » كناية عن إهلاكه في الدنيا قبل موته ، وقد فعل اللّه ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها ؛ كمسلم بن عقبة إذ أهلكه اللّه عند منصرفه عنها إلى مكة لقتال عبد اللّه بن الزبير ، بلاه اللّه بالماء الأصفر في بطنه ، فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث . وقال الطبري : مات بهرشى وذلك بعد الوقعة بثلاث ليال ، وهرشى جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة . وكإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغرائه أهل المدينة حرم النبي المختار وقتله بها بقايا المهاجرين والأنصار ، فمات بعد هذه الوقعة وإحراق الكعبة بأقل من ثلاثة أشهر ، ولأنه توفّي بالذبحة وذات الجنب في نصف ربيع الأول بحوارين من قرى حمص ، وحمل إلى دمشق وصلى عليه ابنه خالد . وقال المسعودي : صلى عليه ابنه معاوية ودفن في مقبرة باب الصغير ، وقد بلغ سبعا وثلاثين سنة ، فكانت ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر واثنى عشر يوما . فصل وأما قوله : « تتركون المدينة » ؛ حدثنا المخاطب فمراده غير المخاطبين ، لكن نوعهم من أهل المدينة أو نسلهم ، وعلى خير ما كانت عليه فيما قيل ، وقد وجد هذا الذي قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم وذلك أنها صارت بعده صلى اللّه عليه وسلم معدن الخلافة وموضعها ، ومقصد الناس وملجأهم ومعقلهم ، حتى تنافس الناس فيها وتوسّعوا في خططها وغرسوا وسكنوا منها ما لم يسكن قبل ، وبنوا فيها وشيدوا حتى بلغت المساكن أهاب ، فلما انتهت حالها كمالا وحسنا ، تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها بتغلّب الأعراب عليها ، وتوالي الفتن فيها ، فخلف أهلها وارتحلوا عنها ، وصارت الخلافة بالشام ووجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المزي في جيش عظيم من أهل الشام ، فنزل بالمدينة فقاتل أهلها فهزمهم وقتلهم بحرّة المدينة قتلا ذريعا ، واستباح المدينة ثلاثة أيام ، فسمّيت وقعة الحرة لذلك ، وفيه يقول الشاعر : فإن تقتلونا يوم حرّة وأقم * فإنا على الإسلام أول من قتل