القرطبي
318
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
والساعة عند ذلك منزلة الحامل المقرب تتوقع ولادتها . وفي الخبر : « استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة » . قال المؤلف رحمه اللّه وقيل : إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف ، وذلك بعد موت عيسى عليه السلام ، وهو الصحيح في ذلك ، على ما يأتي بيانه . فصل ثبت في الصحيح الدعاء للمدينة والحث على سكناها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يأتي على الناس زمن يدعو الرجل ابن عمه وقريبه : هلم إلى الرخاء ، هلم إلى الرخاء ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، والذي نفسي بيده ؛ لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف اللّه فيها خيرا منه ، إلا أن المدينة كالكير تخرج الخبث ، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد » « 1 » . رواه أبو هريرة ، وخرّجه مسلم . خرج عن سعيد بن أبي وقاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أراد أهل المدينة بسوء أذابه اللّه كما يذوب الملح في الماء » « 2 » . ونحوه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ومثل هذا كثير وهو خلاف ما تقدم ، وإذا كان هذا فظاهره التعارض وليس كذلك ، فإن الحض على سكناها ربما كان عند فتح الأمصار ووجود الخيرات بها ، كما جاء في حديث سفيان بن أبي زهير . قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « تفتح اليمن فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، ثم تفتح الشام فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، ثم تفتح العراق فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون » « 3 » رواه الأئمة واللفظ لمسلم . فحض صلى اللّه عليه وسلم على سكناها حين أخبر بانتقال الناس عنها عند فتح الأمصار لأنها مستقر الوحي ، وفيها مجاورته ، ففي حياته صحبته ورؤية وجهه الكريم ، وبعد وفاته مجاورة جسده الشريف ، ومشاهدة آثاره العظيمة . ولهذا قال : « لا يصبر أحد على لأوائها وشدّتها إلا كنت شفيعا أو شهيدا له يوم القيامة » « 4 » . وقال : « من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها » « 5 » ثم إذا تغيرت الأحوال واعتورتها الفتن والأهوال كان الخروج منها غير قادح ، والانتقال منها حسنا غير قادح .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 1381 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 1387 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1875 ) ومسلم ( 1388 ) . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 1378 ) . ( 5 ) أخرجه أحمد ( 2 / 74 ) والترمذي ( 3917 ) ، وصححه الألباني .