القرطبي
31
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
تدرون ما ورودها ؟ قالوا : اللّه أعلم . قال : فإن ورودها أن يجاء بجهنم وتمسك للناس كأنها متن إهالة حتى إذا استقرت عليها أقدام الخلق برهم وفاجرهم نادى مناد : أن خذي أصحابك ، وذري أصحابي . فتخسف بكل ولي لها ، فهي أعلم بهم من الوالد بولده ، وينجو المؤمنون « 1 » . وقال مجاهد : ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا ، وهي حظ المؤمن من النار فلا يردها . وأسند أبو عمر بن عبد البر في ذلك حديثا في « التمهيد » عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاد مريضا من وعك به ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أبشر فإن اللّه تعالى يقول : هي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه من النار » « 2 » . وقالت طائفة : الورود النظر إليها في القبر فينجي منها الفائز ، ويصلّاها من قدّر عليه دخولها ، ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من رحمة اللّه تعالى ، واحتجّوا بحديث ابن عمر : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي » الحديث . وقيل : المراد بالورود الإشراف على جهنم والاطلاع عليها والقرب منها . وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم ، فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب ، ثم ينجي اللّه الذين اتقوا مما نظروا إليه ، ويصار بهم إلى الجنة وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ أي : يؤمر بهم إلى النار ، قال اللّه تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [ القصص : 23 ] أي : أشرف عليه ، لا أنه دخله . وروت حفصة ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية » . قالت : فقلت : يا رسول اللّه ! وأين قول اللّه عز وجل : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [ مريم : 72 ] خرّجه مسلم من حديث أم مبشر قالت : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند حفصة الحديث « 3 » . وقيل : الخطاب للكفار في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها روى وكيع ، عن شعبة ، عن عبد اللّه بن السائب ، عن رجل ، عن ابن عباس أنه قال في قول اللّه عز وجل : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال : هذا خطاب للكفار . وروي عنه أنه كان يقرأ : « وإنّ منهم » ردا على الآيات التي قبلها من الكفار
--> ( 1 ) أخرجه نعيم في زوائد « الزهد » برقم ( 405 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 2 / 440 ) والترمذي ( 2088 ) وابن ماجة ( 3470 ) ، وهو في « صحيح سنن ابن ماجة » ( 2794 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 2496 ) .