القرطبي
309
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
من في هذه البلاد من العلماء والأعيان ، واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان ، ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصبهان ، ودور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان ، وأهلها مشتغلون بعلم الحديث فحفظهم اللّه بهذا الشأن ، وكفّ كفّ الكفر عنهم بأيمان الإيمان ، وأنزل عليهم مواد التأييد والإحسان ، فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان ، وحققوا الخبر بأنها بلد الفرسان ، واجتمع فيها مائة ألف ألف إنسان ، وخرجوا إليهم كأسد ولكن غاباتها عوامل الخرصان ، وقد لبسوا البياض كثغور الأقحوان ، وعليهم دروع فضفاضة في صفاء الغدران ، وهيئت للمجاهدين درجات الجنان ، وأعدت للكافرين دركات النيران ، وبرز إلى الططر القتل في مضاجعهم وساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم فمرقوا عن أصبهان ، مروق السهم من الرمي . وأنشدوا : إلى الوادي فطمّ على القرى ففرّوا * منهم فرار الشيطان يوم بدر له حصاص ورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن لهم من الهلاك محاص ، وواصلوا السير بالسرى وهدوا من همدان الوهاد والذرى ، بعد أن قامت الحرب على ساق والأرواح في مساق من ذبح مثله وضرب الأعناق ، وصعدوا جبل أروند فقتلوا من فيه من جموع صلحاء المسلمين ، وخربوا ما فيه من الجنات والبساتين ، وانتهكوا منهم ومن نسائهم حرمات الدين ، وكانت استطالتهم على مقدار ثلثي بلاد المشرق الأعلى ، وقتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى ، وقتلوا في العراق الثاني عدة تقرب أن يستقصي ، وربطوا خيولهم في سواري المساجد والجوامع ، كما جاء في الحديث المنذر لخروجهم الشارع ، الجامع وأوغلوا في بلاد المشرق أي إيغال ، وقادوا الجيوش إليها مقادة أبي رغال ، في كلام له إلى أن قال : وقطعوا السبل ، وأخافوها وجاسوا خلال الديار ، وطافوها وملئوا قلوب المؤمنين رعبا ، وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحبا ، وحكموا سيوفهم في رقاب أهلها وأطلقوا يد التخريب في وعرها وسهلها ، ولا شك أنهم هم المنذر بهم في الحديث ، وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الآخرة منها . قال المؤلف رحمه اللّه : فقد كملت بحمد اللّه خرجاتهم ولم يبق إلا قتلهم وقتالهم ، فخرجوا على العراق الأول ، والثاني كما ذكرناه ، وخرجوا في هذا الوقت على العراق الثالث بغداد وما اتصل بها من البلاد ، وقتلوا جميع من كان فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد ، وحصروا ميّافارقين ، واستباحوا جميع من فيها من الملوك والمسلمين ، وعبروا الفرات إلى أن وصلوا إلى مدينة حلب ، فخربوها