القرطبي

297

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

ربهم ، ثم وصف أحوالهم بنعتهم إلى قوله : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [ آل عمران : 17 ] وهذا تنبيه لهم على تزهيدهم فيما زين لهم ، وترغيبهم فيما هو خير منه ، ومثل هذا في القرآن كثير . والمطيطاء ؛ بضم الميم والمد : المشي بتبختر ، وهي مشية المتكبرين المفتخرين ، وهو مأخوذ من مط يمط إذا مد ، قال الجوهري : والمطيطاء بضم الميم ممدودا : التبختر ومد اليدين في المشي . وفي الحديث : « إذا مشت أمتي المطيطاء ، وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم » . وقوله : « ثم ينطلقون في مساكن المهاجرين » ؛ قيل : في الكلام حذف ؛ أي : في مساكين المهاجرين ، والمعنى : أنه إذا وقع التنافس والتحاسد والتباغض حملهم ذلك على أن يأخذ القوي على ما أفاء اللّه المسكين الذي لا يقدر على مدافعته ، فيمنعه عنه ظلما وقهرا بمقتضى التنافس والتحاسد . وقيل : ليس في الكلام حذف وأن المعنى المراد : أن مساكين المهاجرين وضعفاءهم سيفتح عليهم إذ ذاك من الدنيا حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض ، وهذا اختيار القاضي عياض ، والأول اختيار شيخنا أبي العباس القرطبي ؛ قال : وهو الذي يشهد له مساق الحديث ومعناه ، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أخبرهم أنه يتغير بهم الحال ، وأنهم يصدر عنهم أو عن بعضهم أحوال غير مرضية تخالف أحوالهم التي كانوا عليها من التنافس والتباغض ، وانطلاقهم في مساكين المهاجرين ، فلا بدّ أن يكون هذا الوصف غير مرضى كالأوصاف التي قبله ، وأن تكون تلك الأوصاف المتقدمة توجبه وحينئذ يلتئم الكلام أوله وآخره ، واللّه أعلم « 1 » . ويعضده رواية السمرقندي « فيحملون بعضهم على رقاب بعض » أي : بالقهر والغلبة . * * * 244 باب وما جاء أن الطاعة سبب الرحمة والعافية ذكر أبو نعيم الحافظ قال : حدثنا سليمان بن أحمد قال : حدثنا المقدام بن داود ، حدثنا علي بن معبد الرقي ، حدثنا وهب بن راشد ، حدثنا مالك بن دينار ، عن خلاص ابن عمرو ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عزّ وجلّ

--> ( 1 ) انظر « المفهم » ( 7 / 115 ) .