القرطبي
293
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
قال ابن وهب وحدثني مالك قال : كان أبو هريرة يلقى الرجل فيقول له : مت إن استطعت ، فيقول له : لم ؟ قال : تموت وأنت تدري على ما تموت ، خير لك من أن تموت وأنت لا تدري على ما تموت عليه . قال مالك : ولا أرى عمر دعا ما دعا به من الشهادة إلا خاف التحول من الفتن . قلت : وقد جاء هذا المعنى مرفوعا عن أبي هريرة ؛ روى النضر بن شميل ، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ويل للعرب من شرّ قد اقترب موتوا إن استطعتم » « 1 » . وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حين جعل الموت خيرا من مباشرتها . وروى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم ، وأموركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها ، وإذا كان أمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم بخلاءكم ، وأموركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها » « 2 » . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري ، في حديثه غرائب ، لا يتابع عليها وهو رجل صالح . ( البخاري ) عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه » « 3 » أخرجه مسلم وابن ماجة بمعناه ، وزاد مثنى وليس به الدين إلا البلاء . وروى شعبة ، عن سلمة بن كهيل ؛ سمعت أبا الزعراء يحدث عن عبد اللّه ، قال : ليأتين على الناس زمان يأتي الرجل القبر فيقول : يا ليتني مكان هذا ، ليس به حبّ اللّه ولكن من شدة ما يرى من البلاء . قلت : وكان هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن وشدة المحن والمشقات والأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه وماله وولده ، قد أذهبت الدين منه ، ومن أكثر الناس أو قلة الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن ، وكذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن ، حتى قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « العبادة في الهرج كهجرة إليّ » وقد مضى الكلام في هذا المعنى في أول الكتاب ، ونزيده وضوحا إن شاء اللّه تعالى ، واللّه أعلم . * * *
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم ( 4 / 439 - 440 ) بهذا اللفظ . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 2266 ) وضعّفه الألباني . ( 3 ) تقدم تخريجه في أول الكتاب .