القرطبي
29
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
فتفكر الآن فيما يحلّ بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته ، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته ، ثم قرع سمعك شهيق النار ، وتغيظها ، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك ، واضطراب قلبك ، وتزلزل قدمك وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض ، فضلا عن حدة الصراط فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته ، واضطررت إلى أن ترفع القدم الثاني ، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون ، وتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب ، وأنت تنظر إليهم كيف ينكّسون فتسفل إلى جهة النار رؤوسهم ، وتعلو أرجلهم ، فيا له من منظر ما أفظعه ، ومرتقى ما أصعبه ، ومجاز ما أضيقه . فصل ذهب بعض من تكلم على أحاديث هذا الباب في وصف الصراط بأنه أدق من الشعر وأحدّ من السيف أن ذلك راجع إلى يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي . ولا يعلم حدود ذلك إلّا اللّه تعالى لخفائها وغموضها . وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي : دقيقا . فضرب المثل له بدقة الشعر . فهذا واللّه أعلم من هذا الباب . ومعنى قوله : « وأحدّ من السيف » : أن الأمر الدقيق الذي يصعد من عند اللّه تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حد السيف ومضيه إسراعا منهم إلى طاعته وامتثاله . ولا يكون له مرد كما أن السيف إذا نفذ بحدة وقوة ضاربه في شيء لم يكن بعد ذلك مرد . وإما أن يقال : إن الصراط نفسه أحدّ من السيف وأدق من الشعر ، فذلك مدفوع بما وصف من أن الملائكة يقومون بجنبيه وأن فيه كلاليب وحسكا ، أي أن من يمر عليه يقع على بطنه ، ومنهم من يزل ثم يقوم . وفيه أن من الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه . وفي ذلك إشارة إلى أن للمارين عليه مواطئ الأقدام ، ومعلوم أن رقة الشعر لا يحتمل هذا كله . وقال بعض الحفاظ : إن هذه اللفظة ليست بثابتة . قال المؤلف : ما ذكره القائل مردود بما ذكرنا من الأخبار وأن الإيمان يجب بذلك . وأن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن فيجريه أو يمشيه ، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند الاستحالة ولا استحالة في ذلك ، للآثار الواردة في ذلك وثباتها بنقل الأئمة العدول وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] .