القرطبي
284
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
فصل ومثل صنيع عبيد اللّه بن زياد صنع قبله بشر بن أرطاة العامري الذي هتك الإسلام ، وسفك الدم الحرام ، وأذاق الناس الموت الزؤام ، ولم يدع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذمام ، فقتل أهل بيته الكرام ، وحكم في مفارقهم الحسام ، وعجل لهم الحمام ، ذبح ابني عبيد اللّه ابن عباس بن عبد المطلب وهما صغيران ، بين يدي أمهما يمرحان ، وهما قثم وعبد الرحمن ، فوسوست أمهما وأصابها ضرب من الجان لما أشعله الثكل في قلبها من لهب النيران . روى أبو بكر بن أبي شيبة في « مصنفه » في حديث فيه طول : كان أبو ذر الغفاري صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتعوّد من شر يوم البلاء ويوم العورة ، في صلاة صلّاها أطال قيامها وركوعها وسجودها ، قال : فسألناه مم تعوذت وفيم دعوت ؟ فقال تعوذت من يوم البلاء ويوم العورة ، فإن نساء من المسلمات ليسبين ليكشف عن سوقهن ، فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها ، فدعوت اللّه عزّ وجلّ أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه . وذكر أبو عمر بن عبد البر قال : أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن عبد المؤمن ، أنبأنا أبو محمد إسماعيل بن محمد الحبطلي ببغداد في « تاريخه الكبير » حدثنا محمد بن مؤمن بن حماد ، قال : حدثنا سلمان بن شيخ ، قال : حدثنا محمد بن عبد الحكم عن عوانة ، قال : أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسر بن أرطاة في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة ، وعامل المدينة يومئذ لعلي عليه السلام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ففر أبو أيوب ولحق بعليّ رضي اللّه عنهما . ودخل بسر المدينة فصعد منبرها فقال : أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس ، يعني عثمان بن عفان ، ثم قال : يا أهل المدينة واللّه لولا ما عهدته إلى معاوية ما تركت فيها محتلما إلا قتلته ، ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية ، وأرسل إلى بني سلمة ، فقال : ما لكم عندي أمان ولا مبايعة ، حتى تأتوني بجابر بن عبد اللّه فأخبر جابر فانطلق حتى جاء الشام فأتى أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لها : ما ذا ترين ؟ فإني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة ، فقالت : أرى أن تبايع وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع ، فأتى جابر بسرا فبايعه لمعاوية وهدم بسر دورا بالمدينة ، ثم انطلق حتى أتى مكة وبها أبو موسى الأشعري فخاف أبو موسى على نفسه أن يقتله فهرب ، فقيل ذلك لبسر ، فقال : ما كنت لأقتله وقد خلع عليّا ، ولم يطلبه . وكتب أبو موسى إلى اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل من الناس من أبي أن يقرّ بالحكومة ، ثم مضى بسر إلى اليمن وعامل اليمن لعلي رضي اللّه عنه عبيد اللّه بن العباس ، فلما بلغه أمر بسر فرّ إلى