القرطبي

275

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

فظاهر هذا أن ذلك المقام كان من بعد العصر لا قبل ذلك ، وهذا تعارض فيجوز أن يكون ذلك كله في يومين ، فيوم خطب فيه من بعد العصر ، ويوم قام فيه خطيبا كله ، ويجوز أن تكون الخطبة من بعد صلاة الصبح إلى غروب الشمس ، كما في حديث أبي زيد ، واقتصر بعض الرواة في الذكر على ما بعد العصر كما في حديث أبي سعيد الخدري ، وفيه بعد ، واللّه أعلم . وقوله : « حتى ذكر فتنة الأحلاس » قال الخطابي : إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها ، يقال ؛ للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه : هو حلس بيته . ويحتمل أن تسمى هذه الفتنة بالأحلاص لسوادها وظلمتها . والحرب : ذهاب الأهل والمال ، يقال : حرب الرجل فهو حريب إذا سلب أهله وماله ، ومن هذا المعنى أخذ لفظ الحرب لأن فيها ذهاب النفوس والأموال واللّه أعلم . والدخن الدخان ؛ يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه . وقوله : « كورك على ضلع » مثل ، ومعناه : الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم ، يريد أن هذه الرجل غير خليق بالملك . والدهيماء : تصغير الدهماء على معنى المذمة لها والتعظيم لأمرها ، كما قال : دويهية تصفرّ منها الأنامل أي : هذه الفتنة سوداء مظلمة . ودلّت أحاديث هذا الباب على أن الصحابة رضي اللّه عنهم كان عندهم من علم الكوائن إلى يوم القيامة العلم الكثير لكن لم يشيعوها إذ ليست من أحاديث الأحكام ، وما كان فيه شيء من ذلك حدّثوا به وتقصّووا عنه . وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال : حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم « 1 » . قال أبو عبد اللّه : البلعوم مجرى الطعام ، والفسطاط : الخيمة الكبيرة ، وتسمى مدينة مصر الفسطاط ، والمراد به في هذا الحديث : الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى ، تشبيها بانفراد الخيمة عن الأخرى ، وتشبيها بانفراد المدينة عن الأخرى ، حملا على تسمية مصر بالفسطاط ، واللّه أعلم . * * *

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 120 ) .